الصرصار والقرد وولد
عيشة
قصد
الصرار مسكن جارته النملة وهو يمشي الهوينا، يعزف على قيثارته بشغف ويرقص عابثا
بالدنيا وفصولها. الحياة مفعمة بروح الصيف، والسماء الزرقاء الصافية تسدل خيوط
الانشراح وتغري بالرقص والغناء والسباحة. وجدها عند الباب تكدس حبات الشعير،
ناداها مرة، مرتين... تجاهلته ولم تجبه، صار يصيح بأعلى صوته: انتبهي، انتبهي،
احذري، احذري، اختبئي... العدو وراءك، لكن النملة لم تبالي بتحذيرات الصرار، وفي
غفلة عن نفسها التهمها قنفذ النمل. بكاها الصرار بكاء الخنساء، وحزن عليها حزن
الزير سالم رغم بخلها عليه، كسر قيثارته وعاد أدراجه يرثي جارته مولولا مهلهلا.
أثناء طريقه صادفه قرد، خاطبه سائلا: ما يبكيك يا هذا؟ حكى له الصرار عن الفاجعة
التي أصابت النملة، تأسف القرد وترحم عليها، ثم قال له: أعرف قصة الصيف والشتاء
بينكما، سمعت بقصتكما منذ زمن بعيد. إن حكايتكما شبيهة بحكاية رجل آدمي سمعت بها
أيام كنت فنانا في ساحة جامع الفنا بمدينة مراكش. سأله الصرار مستفسرا ومستغربا:
وما حكاية هذا الرجل الآدمي؟ أجابه القرد وهو يتنهد بهدوء: يحكى أن رجلا آدميا جمع
أموالا باهظة من حلال عرق جبينه ومن حرام ربا تجارته، قضى جل حياته بخيلا على نفسه
التي يرهقها بالتعب والشقاء فوق طاقتها، وفي أحد الأيام الصيفية المشمسة قضى نحبه
بذبحة قلبية، خلف وراءه زوجة حسناء وثروة طائلة تقاسمتها مع ولد عيشة الذي تزوجته
من بعد وفاته.
العربي منيف: كاتب من المغرب
