الفتى جمي
كانت
الأفلام السينمائية غذاءه الروحي التي تشبع شرايينه الحسية، وكانت أفلام بروسلي وشاروخان أطباقه اللذيذة الغنية بجميع الفيتامينات المفيدة لجسمه النحيف
وعاطفته الجياشة. ظل يشاهد هذه الأفلام بمقهى الحاج علال التي تزدحم بروادها يوميا
مع شلة من أبناء دواره كغيرهم من باقي الفئات العمرية الذين جمعهم حب الأفلام في
قلوبهم لمدة طويلة. كانت المقهى تعرض الأفلام الهندية التي لها طابع عاطفي
رومانسي، وأفلام الأكشن التي لها طابع قتالي حركي بفنونها الحربية الرياضية. كانت
هذه الأفلام التي حظيت بنجاح كبير متميز وبإقبال هائل من طرف المشاهدين الذين
كانوا مدمنين على رؤيتها متنفسا لهم ونافذة يتعرفون من خلالها على العوالم الأخرى.
كان الفتى "جمي" كلما شاهد فيلما هنديا يثور حنانا وحبا وتفيض عيناه
دموعا، يتحمس للعشق والحب والوجدان... وعندما يشاهد أفلام بروسلي وفاندام ورومبو
يثور بقوة وحماسة وتفيض عضلاته صلابة، يتحمس للضرب واللكم والركل، للكسر وللعلعة
الرصاص، وتفور المتعة القتالية فيه داخليا بلا حدود. عند نهاية عرض الأفلام يغادر
"جمي" المقهى مسرعا. يعود وحيدا والشمس على موعد مع الغروب إلى دواره
مشيا على الأقدام لمسافة لا تقل عن خمسة كيلومترات عبر طريق فلاحي يفصل بين ضيعتي
الأمير والمحامي. وما إن يتوغل نصف الطريق وسط السهوب الكثيرة الأشجار والأعشاب
حتى يطلق العنان لنفسه بحرية مقدسة، يرقص ويغني رقص وغناء الهنود، يرقص مع الأشجار
بأخف حركاته، ويغني مع الطيور بأعلى صوته، يمشي ويركض تارة ويتوقف تارة أخرى، يفتح
ذراعيه ويرفع رأسه إلى السماء، يتخيل عليها امرأة هندية جميلة تنظر إليه وتبتسم،
يناجيها بكلمات هندية رقيقة يتودد لحبها وعشقها، يظل ينظر إليها إلى أن تحجبها عنه
سحابة تمر ببطء شديد. وعندما يهده العياء،
يجلس تحت ساقية إسمنتية طويلة على طول حدود الطريق التي تستعمل مياهها لسقي
الأراضي الفلاحية، يخرج من جيبه علبة سجائر من نوع "الزرقا" يدخن سجارة
بنشوة مرة، يسحب دخانها بقوة وينفثه بحرقة، يتلفت يمينا ويسارا ثم يقوم من مكانه
ليواصل طريقه إلى الدوار. بعد ثلاث دقائق مشيا على الأقدام، وبعد جريان مفعول تبغ
"الزرقا" في دمائه يتبادر إلى تفكيره معشوقه بروسلي، يركض بسرعة فهد
إفريقي ثم يقفز في الهواء مادا قدمه اليمنى وهو يصيح صياح بروسلي، راح يركل
الأشجار ويلكمها بضربات حقيقة، يتخيلها جماعة من الأعداء تحيط به، يلكم هذه ويركل
تلك، وبين هذه وتلك يكسر أغصان الأخرى وصياحه يملأ الفضاء دويا صارخا كالرعد.
يواصل سيره على هذه الحالة إلى غاية اقترابه من مدخل الدوار. وحتى في بيتهم يظل
صاحيا يتقلب على فراشه يفكر بمشاهدة الأفلام ويحلم بأن يكون في يوم من الأيام مثل
الشارو أو بروسلي، يخلد إلى النوم وهو يحلم بهما. في صباح الغد الباكر كان
"جمي" يقود قطيع أغنامه على جرف النهر الشامخ وهو يغني أغاني الشارو
الهندية، وفي لحظة جنونية داهمه بروسلي في عقله، نظر من أعلى الجرف إلى ماء النهر،
تحمس للقفز، عاد إلى الوراء خمسة أمتار، ركض بسرعة حصان ثم قفز من فوق الجرف إلى
ماء النهر وهو يصيح صياح بروسلي كعادته دائما، سقط أرضا، صاحت الأغنام؛ باع..
باع.. باع... تكسرت عظام ظهره، صرخ متؤلما، بكى متوجعا، تقلب على حدبة طينية صغيرة
كانت تفصل بين مياه النهر وتربة الجرف، وقع في النهر، جرفه التيار إلى حتفه
الأخير، إلى نهاية درامية هندية حزينة، لكن من حسن حظه أنقذه منقذ عن طريق الصدفة
ليحيا من جديد للأفلام السينمائية، للشارو وبروسلي.
من
ذكريات رمضان 2015 م
العربي منيف: كاتب من المغرب
