مقالات مختارة

حكايات رمضانية مع العربي منيف: برتقال عمر بن الخطاب

 برتقال عمر بن الخطاب 

 


كان خيالها واسعا وسريعا، يسبق الريح في سرعته، وهذا ما كان يدعو البعض إلى التعجب منها، إذ كيف يمكن لهذه المرأة أن تصور  الخيال في يقظة الواقع. كانت تعبر عن خيالها بوصف دقيق وبسلاسة غريزية تهدف إلى ما تتوق إليه نفسها في تصويره وتحقيقه في مشاهد محبوكة كأنها لوحات فنية معروضة للبيع على الرصيف. كانت فاطنة جلول رحمها الله تجمعنا كل يوم بعد صلاة التراويح أمام باب بيتها، أيام كنا صغارا، وتطلق العنان لنفسها ولخيالها، وتبدأ في سرد الحكايات الشهية الشيقة. كانت تحكي لنا عن هينة والغول، وحديدان الحرامي، والعصفور بوزرورة، وعمر بن الخطاب الفاروق، ومحمد الخامس، واللائحة طويلة جدا. حكايات كثيرة ومتنوعة بأحاديث الأساطير والواقع. كان وصفها كملاك يحلق بنا في السماء، يحملنا إلى النجوم، كبساط الريح السحري يتنقل بنا عبر السماء من بلد إلى آخر، كفوهة بوابة الزمن تجول وتجوب بنا من زمن لآخر، كان كل واحد منا معجبا بالحكاية التي راقته، أما أنا فقد أعجبت بحكاية عمر بن الخطاب من أول مرة، أول مرة في حياتي أسمع بهذا الشخص وبسيرته. عندما كانت فاطنة جلول تحكي عن جبار الجاهلية عملاق الإسلام، كانت نفسي تنبت بذور الحب في القلب، وتنثر بذور التمني في الصدر لعلها تراه في المنام. تأثرت كثيرا بسيرة عمر الفاروق من البداية إلى النهاية، وتمنيت أن أكون مثله عندما أكبر، ومن شدة تأثري بعمر وإعجابي به وحبي له، كنت دائما أطلب من أمي فاطنة جلول أن تختم جلستنا بحكاية عمر، بل في بعض الأحيان كنت استعطفها وأقبل رأسها لكي تبدأ بها في البداية وتختم بها في النهاية، وفعلا هذا ما كانت تفعل، وهذا ما اعتدنا عليه عند كل جلسة من جلساتنا الرمضانية. حب الفاروق نما في عروقي وترعرع في دمائي بسرعة خارقة للعادة، كنت أحفظ سيرة الفارورق عن ظهر قلب كما حكتها أمي فاطنة جلول. ظل حب عمر مهيمنا على قلبي طوال طفولتي، غير أنني كنت لا أعرف العصر الذي ولد ومات فيه ولا حتى المكان كذلك، ومن غرائب الصدف، كانت بجانب دوارنا ضعية برتقال شاسعة الأطراف تحمل اسم ضيعة الخطاب، وبغباء طفولي كنت أعتقد أن الضيعة ضيعة عمر بن الخطاب بطل حكاية أمي فاطنة، لكن أيضا بشك طفولي كنت أتساءل عن هذه الضعية، عن حجمها وثروتها وخيراتها، وأتساءل وأتعجب في نفس الوقت، كيف يملك عمر كل هذه الأراضي وكل هذه الخيرات وتسمح له نفسه بأن يقتات على الخبز والزيت. مرت أيام وأيام، بلغنا سن التمدرس، تم تسجيلنا في الصف الأول ابتدائي، التحقنا بالمدرسة القريبة من الدوار والمشرفة على الطريق التي تؤدي إلى ضعية الخطاب. كانت تمر على هذه الطريق زينب الخطاب التي ورثت عن أبيها الضيعة بسيارتها الفخمة في اختيال سياقتها وتبخترها، وكنا نحن نحيها بقلوبنا البريئة، وندعوا لها بالخير والتيسير، ونترحم على أبيها المرحوم المغفور له في الدنيا وفي الآخرة. وكانت تمر أيضا على هذه الطريق شاحنات كبيرة محملة بمنتوجات برتقال ضيعة الخطاب الموجهة إلى روسيا، فكان بعض التلاميذ يتسلقون الشاحنات ليسرقوا بضع برتقالات، في حين كنا نحن نسخر منهم ونلومهم على سرقتهم، كنا نقول لهم: كيف تسول لكم أنفسكم بأن تسرقوا برتقال الخليفة؟ ألا تخجلون من أفعالكم القبيحة؟ عليكم اللعنة، سيدخلكم الله جهنم جزاء لكم على سرقتكم لبرتقال الخليفة. وفي أحد الأيام الدراسية، كان يجلس إلى جانبي أحد التلاميذ القاطنين بدوار أولاد بوعزة القريب جدا من ضيعة الخطاب على طاولة القسم، وبينما نحن منشغلين بإنجاز تمارين النشاط العلمي، أخرج التلميذ الذي يجلس على يساري بعض حبات الكركاع ليتناولها. أعطاني منها ثلاث حبات، وفي خلسة من المعلم بدأنا نكسر الكركاع بهدوء ونأكل لبه بصمت، كان طعمه لذيذا رغم مرارة جلده. سألته وأنا أمضغ الكركاع: من أين لك هذا؟ اقترب مني وأجابني بصوت خافت: عندما كنت قادما إلى المدرسة في الصباح الباكر، تسللت في غفلة من الحارس إلى أشجار الكركاع التي تسيج أشجار برتقال ضيعة الخطاب وقطفت منها بضع حبات، ثم وضعتها في المحفظة وهربت. ما إن سمعت جوابه حتى ذرعني القيء، وبدأت بسبه وشتمه وضربه. ذعر المعلم من هول ما سمع وما رأى، فقفز من مكتبه مسرعا نحونا، أمسكني من يدي اليمنى وسألني:

- لماذا ضربته؟

- لأنه سرق الكركاع من ضيعة الخليفة.

- أي خليفة؟ 

- الخليفة الثاني عمر بن الخطاب.

- وأين توجد ضيعته؟

- بالقرب من دوار أولاد بوعزة.

جرني المعلم بقوة من يدي ودفعني بقوة إلى مقعدي، وقال لي مخاطبا: وانت كلس آ بو راس، هاذاك راه البرجوازي الثاني في سهل الغرب... لم أستوعب ما قاله المعلم في تلك اللحظة، لكن بعد سنوات عجاف، استوعبت جيدا حكايات أمي فاطنة جلول وكلام المعلم. رغم أن أمي فاطنة كانت صادقة في حكاياتها والمعلم كان صادقا في كلامه، لكن الحقيقة كانت أصدق منهما، لقد أبهرتني الحقيقة بأدلة الواقع التي عشتها في تلك المنطقة، إلى حد أني تصورت أن الحكاية نوع من التشاؤم، قادرة على الانقلاب والتمرد على الإنسان في أي لحظة زمكانية.

من ذكريات رمضان 2015 م 














العربي منيف

قاص من المغرب

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -