مقالات مختارة

صرخة أنتى في الحجر





 صرخة أنتى في زمن الحجر

الوقت ُ ليل، والسكون عمَّ المكان، وأخذَ استرخائي وضعهُ المفضَّل على الكنبةِ ذات الألوان، وما كدتُ أنغمسُ في بحر السكينة حتى رن  هاتفي بصوتٍ قوي، لكنه كسَّر أجواء هدوئي، ظهر على الشاشة رقم غريب  لا أعرفه.

- ألو من معي ؟

انتظرتُ برهةً علنِّي أسمعُ متحدثا، لكني لم أسمع إلا تنهيداً تلاهُ طلقةُ كلامٍ سريعٍ متلاحقٍ مُفعمٍ بنبراتِ خوف وضياع.كانت خائفةً مضطربةً تتوهُ منها الكلماتُ وتعودُ، تكلمتْ في كل شيء وفي لاشيء، أخبرتني عن  تفاصيلِ حفلِ زفافها، و عن عدد مدعُويها، و عن الفرقة الموسيقية وما غنته، وعن أطباق الحلوى وصنوفها المتعددة،  ثم عرَّجَت بسرعة على  قصةِ حبِّهِما و فأشارت إلى لمساته الرقيقة، وغيرتِهِ المجنونة،  كما تحدتث عن نومِهِ وشخبره، وكذلك عن طبق الخليع بالبيض الذي يعشقه في كل وجبة إفطار، و حدثتني عن ميلاد طفلتهما وعن صرختها الأولى.

تكلمت دون أن تفسحَ لي فرصةَ مقاطعتِها، وكلَّما حاولتُ تقاطعني بدورها، وتستكمل الحديث عن خصالِه الجميلة، وفي عاداته الغريبة، وعن عدد أصدقائه، و سعة علاقاته، لكن  وقبل أن تلتقط نفَسَها انقلبت لتذِمه، فواصلت كلامها عنه  بنبرة حزينة وهي جد متأثرةٍ حدَّ البكاء : إن كل شىء الآن قدْ   تغير ، لقد اصبح شخصاً آخر ، لم يعد زوجي الذي أحببته، وعشقتُهُ 
 .
تضيف قائلة، ولسان حالها تلعثمٌ وارتباكٌ، وأنا لازالَتْ كلمةُ الترحيبِ في فمي عالقةً إذْ لم تَأذنْ لها كي تخْرُجَ إلى أسماعِها من فرطِ احتكارِها مجالَ سمعي بحديثِها المُنفعل:  "ذبلت زهرتي قفي حديقةِ حياته كما  تذبل زهرة  الصبار، وصار  بيتِي مرعباً ذو قتامةٍ  بأبوابهِ الموصدةِ الموحشة، وجدرانهِ الصمَّاء ، لا يُسمع فيه إلاَّ صوتُ وحشٍ أدميٍّ  قاهرٍ مستقوي، ..صفعةٌ تلوَ  الأُخرى على وجنتَي اللَّتين طالما جَمَّلتُهما له حتى صارتا كالوردَيتين الناعِمتين. "

و  أضافت:"الألم يعتصرُ روحي وجسمي النحيل الذي أصبح مطرحاً لعُنفه المُمَنهَج - تحكي مسترسلة، وصوتُها بدتْ عليه غصةُ بكاءٍ، وهي تقول مسترجعةً  لشريط حياتهما لثواني معدودات خاطفة: أين ذهبت ذكرياتُنا الجميلة  التي ارتسمت في كل ركن في هذا البيت الكئيب ؟ أين ذهبت أُغْنياتُنا التي أنشدناها معا على تلك الشرفة المطلةِ على حديقتِنا الغَنَّاء؟   أين اختفىٰ  بريقُ الحبِّ من عينيه العميقتَين؟ كيف فتُرِت لمساتُه؟  أين ولَّت قبلاتُه الناعمةُ في مساءاتِ الحنينِ الساخنة؟ وماذا عن عبارته الشهيرة (أحبك حتى التعب)؟  كيف كل ذلك تبخَّر وذهب؟"

تحكي باسترسال:" رجعت وتوقفتُ أمام صورتي الأخيرة من ألبُوم ذكرياتي الجميلة، فاستحضرتُ كل  القيودِ التي منعتني من كسرِ  جدارِ الصمتِ وفكِ خيوطِ حريتي  فاستسلمتُ للأمر الواقع" 
.
.أنهت المكالمة بتنهيدة عميقةٍ مشحونةٍ بكمٍ بالغٍ من ّذرات الحزن والأسى، مبديةً  اعتذارها  عن ازعاجي في مثل هذا الوقت المتأخر من الليل متمنية لي ليلةً سعيدةً 
.
لقد كانت صرختُها هاته صرخةً مُدويةً  بداخلي بشكلٍ غريب ، ومن حينها وصدى ما حكَتْه لي قد  خلَّف بخاطري انطباعاً غير حميدٍ  بل سيئٍ عن الحب وعن قدسية  الارتباط إجمالاً.


    أسماء بوشكارم

تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -