عام البون:
سنة جائحة قاسية عذبت المغاربة
تتعايش
نسبة كبيرة من المغاربة، خصوصا الأجيال المتأخرة، مع ظروف الحجر الصحي الحالي بسبب فيروس كورونا كحدث غير مسبوق، على
الرغم من أن التاريخ المغربي حافل بالأحداث الحرجة والمواقف الصعبة، فالمغرب عبر
تاريخه الطويل عاش العديد من الفواجع الكبرى التي كان لها تأثير بالغ على ازدهار عمرانه
ونموه الحضاري، وجعلته دولة هشة قابلة للاستعمار، فالمغرب عبر التاريخ كان يتصارع بشكل
دوري مع الجفاف والجراد والأوبئة، فمكان بالكاد يتخلص من الجائحة الأولى إلا ليجابه
تلك التي تاليها، ويعتبر ما يسمى بعام "البون" أحد السنوات الصعبة التي
عاشها أجدادنا، والتي مازالت الذاكرة الشعبية تحتفظ ببضع صورها المحزنة.
يطلق
عام البون، والذي اشتهر كذلك بأسماء عديدة، كعام بوهيوف أو خمسة وأربعين، على سنة
المجاعة الكبرى التي اجتاحت المغرب سنة 1945، وسمية بالبون نسبة إلى دفتر يسلم إلى
الأسر ويتم تغيره بدفتر بلون جديد بعد فترة معينة ويحتوي على قسائم شراء أشبه بالطابع البريدي كانت تَرصد بشكل دقيق كمية
المواد الغذائية وغير الغذائية، التي ستحصل عليها كل أسرة حسب عدد أفرادها.
وقد
كان انحباس المطر طيلة السنة والذي لم تجد معه العديد من صلوات الاستسقاء عبر ربوع
المملكة السبب الرئيسي في إذكاء صعوبة الوضع، حيث قلت مساحة الأراضي المزروعة، واختفت
المياه من الآبار والأنهار والعيون، مما تسبب في تضرر الماشية التي أصيبت أيضا
بأمراض أدت إلى نفوق أعداد هائلة منها. فأدى الأمر إلى قلة الموراد وارتفاع الأسعار وانتشار الفقر والأمراض.
ومن
أهم العوامل الرئيسية التي عمقت من شدة تلك السنة الخطيرة، هو تزامنها مع الحرب
العالمية الثانية، حيث عملت فرنسا على تسخير موارد مستعمراتها الغذائية في دعم الجهد
الحربي فنقلت المواد الغذائية إلى جبهات القتال بأوروبا، فأثر ذلك بشكل بليغ على
وضع المغاربة الغذائي والاجتماعي والصحي.
ولم
يتوقف الوضع عند مواجهة الجفاف والاستعمار بل اجتاحت المغرب أسراب من الجراد قادمة
من الجنوب، كما انتشرت فيه العديد من الأمراض بشكل متزامن وباختلاف المناطق والتي
مست البشر والماشية، كمرض الجذري والطاعون والحمى الراجحة، وقد دفعت هذه الأوضاع
الصعبة العديد من المغاربة للهجرة من القرى نحو المدن، مشيا على الأقدام بحثا عن الطعام، بعد أن باعوا
أراضيهم بثمن هزيل مقابل الحصول على ما يسد رمقهم فقط، وقد قضى العديد منهم حتفه على
الطرقات، فكان الموتى يتساقطون بين المدن وفي ضواحيها، وعلى مر المسافات الرابطة بين
الحواضر والبوادي لدرجة يحكى أن الكلاب كانت تتغذى عليها وتنهشها، وهو الوضع الذي يخلده
المثل الشعبي الذي يقول: " عام الجيفة كتسمان لكلاب".
ولشدة
المأساة التي عاشها المغاربة ونظرا لضعف الموارد اضطروا إلى البحث عن مواد غذائية جديدة
يسدون بها رمقهم لمقاومة الجوع الذي كان يمزق أحشاءهم، كنبتة "ايرني"
التي كانت تجفف وتطحن وتصنع منها خبز شديدة الطعم كان لها تأثيرات قوية على المعدة
وتسبب الإسهال، كما اضطر المغاربة لتناول العديد من حشائش الأرض، "كالكرنينة
والبقولة والحميضة والترفاس والبلوط"، وغيرها من الأطعمة العشبية والتي يقبل
عليها المغاربة إلى الآن وهي في الواقع لسيت سوى ذكرى تعكس حجم المعاناة التي تحملها
المغاربة في تلك الفترة, كما صنعوا العديد من الوجبات التي تعتمد على الأعشاب
البرية حسب ما ينمو في المنطقة التي يقيمون فيها وما تجود به تربتها.
لقد
كانت بالفعل سنة 1945 شديدة الوطأة على الشعب المغربي، الذي عانى من مجاعة خطيرة
جدا، لم يسبق أن عرفها التاريخ المغربي، وقد كان للسياسة الاستعمارية التي
انتهجتها فرنسا وظروف الحرب العالمية الثانية بالغ الأثر في تعميق أضرارها.
