مقالات مختارة

لانفلونزا الإسبانية: الوباء الذي أصاب 500 مليون شخص وتسبب في 50 مليون وفاة.

الانفلونزا الإسبانية: 
الوباء الذي أصاب 500 مليون شخص وتسبب في 50 مليون وفاة.
 
يشعر الكثير من الناس  الذين وجدوا أنفسهم وهم يواجهون فيروس كرورنا بالكثير من الهلع والخوف،  إحساس يعززه الاعتقاد بكون وباء كوفيد 19 جائحة غير مسبوقة في تاريخ الكرة الأرضية، على الرغم من كون البشرية واجهت الكثير من الأوبئة الخطيرة وكانت في كل مرة قادرة على تخطيها والاستمرار بشكل مضطرد في بناء الحضارة، ففقط قبل قرن من الآن تسبب وباء فتاك في مقتل عدد هائل من السكان يتجاوز عدد القتلى الذين تم تسجيلهم في الحرب العالمية الأولى، واشتهر لدى الباحثين والأوساوط العالمة بوباء الانفلونزا الاسبانية والذي انتشر في العالم  في  سنة 1918 حيث كانت الحرب الكونية الأولى تقترب من نهايتها.

وتشير الأبحاث المتأخرة بأن الفيروس الذي تسبب في هذه الجائحة  من سلالة H1N1  السريعة الانتشار، حيث تقدر أدنى إحصائيات حديثة أنه أصاب 500 مليون شخص وخلف أكثر من 50 مليون وفاة، ضعف وفيات الحرب العالمية الأولى وذلك في سنة واحدة فقط، وتقول الدراسات أنه انطلق من بؤرة صغيرة، ليصل إلى كل بلدان المعمور، مع التأكيد على أن الحرب هي أحد العوامل المهمة التي ساهمت في توسع انتشاره، أولا بسبب تعرض عدد هائل من الأطباء للوفاة بسببها، وثانيا لكون الجنود  الذين كانوا يعانون من سوء التغذية وضعف المناعة وكانوا يعيشون في خنادق  تملؤها القذارة ضيقة ورطبة فاصبحوا بسبب هذه الظروف الصعبة مستعدين للالتقاط العدوى،  فبدأت تنتقل بينهم ثم من خندق إلى آخر بسرعة كبيرة،  وعندما بدأ هؤلاء الجنود يعودون إلى بلدانهم وقراهم جعلوا الوباء ينتقل من الوسط العسكري إلى الوسط المدني ليتفشى بسرعة بين الناس في مختلف دول الكرة الأرضية.

وعلى الرغم من كون الوباء لم يكن يفرق بين البشر، فإنه على خلاف فيروس كورونا كان يفتك بالشباب الذين تترواح أعماره ما بين 30 و20 سنة حتى وإن كانوا أصحاء قبل الإصابة بالمرض. ورغم الاختلافات في تقدير العدد الصحيح للوفيات فـإنها جميعها إما تقر أو تتجاوز 50 مليون شخص وهو ما يعادل عشرة في المئة، حسب أقل تقدير، ممن أصيبوا بالوباء في تلك الفترة والذي قارب ثلث سكان العالم.

وعلى الرغم من أن الوباء انتشر بعيدا عن اسبانيا لكنه ظلت تسميته ملتصقة بها ، وذلك  لأنها كانت أول الدول التي أعلنت بشكل رسمي عن تسجيل وفيات بالفيروس، بحكم أنها  كانت محايدة إبان الحرب وبالتالي كانت تتيح لصحافتها المحلية فرص التطرق لموضوع الوباء، على خلاف الدول التي كانت منخرطة فيها، كانت تخشى على معنويات جنودها وسكانها، ففرضت رقابة عسكرية على ما قد تتحدث عنه الصحافة ومنعتها من الإشارة للموضوع، فساد الاعتقاد على أن هذه الانفلونزا تأتي من إسبانيا. وبدأ الأمر ببرقية إخبارية وصلت إلى وكالة "رويترز" في ربيع 1918، بشأن تفشي مرض غريب ذي طابع وبائي في مدريد، بحسب كتاب "الإنفلونزا الإسبانية" للمؤلف هنري ديفيز.

وعلى خلاف فيروس كورونا الذين استغرق شهرين فقط ليصيب مئة ألف شخص، فإن الانفلونزا الاسبانية كانت  في حاجة فقط إلى أسبوعين لتصيب نفس العدد، مما تسبب كما هو الحال الآن بإغراق المستشفيات بالمرضى في وقت واحد، ولم يصل صيف 1918 حتى اجتاحت هذه الانفلونزا العديد من الدول في القارة الأوروبية، مثل بريطانيا وفرنسا وهنغاريا وألمانيا والنمسا. ليصبح الوباء جائحة، ووصل إلى السويد وكندا والولايات المتحدة وجنوب إفريقيا.

وحتى في تلك الفترة تم توجيه نفس النصائح والتوجيهات للمواطنين مثل التباعد الاجتماعي والمصافحة وضرورة البقاء في المنزل وعدم الخروج إلا للضرورة وارتداء الأقنعة في مشهد يتكرر اليوم بشكل مماثل بعد قرن من الزمن، كما أن الأعراض التي تم توثيقها بخصوص الانفلونزا الإسبانية لا تختلف كثيرا عن الأعراض الحالية لفيروس كورونا ، صداع رهيب في الرأس، وإعياء في الجسد، ثم سعال جاف وفقدان الشهية، وآلام في المعدة والحمى وغيرها. وتكون الوفاة بسبب التهاب رئوي حاد وفشل الجهاز التنفسي.

من أين كانت البداية؟

نقلت  "ناشونال جيوغرافيك" في  دراسة متأخرة في حدود سنة 2014 عن المؤرخ الكندي، مارك همفريز، قوله إن سجلات قديمة كُشف النقاب عنها حديثا تشير إلى أنه جرى نقل 96 ألف عامل صيني للعمل خلف خطوط القوات الفرنسية والبريطانية في الجبهة الغربية، ورجح أن يكون هؤلاء هم السبب وراء انتشار الفيروس، وقال إن نحو 3 آلاف من هؤلاء أمضوا وقتا في الحجر الصحي بكندا، وكانت تظهر على بعضهم أعراض الإصابة بالانفلونزا وكان يتم التعامل معاها بغير اكتراث وتم وصفها بأنها ليست سوى حالة من " الكسل الصيني"، وأضاف أن بعضا من هؤلاء أصيبوا أو ماتوا بعدما أكملوا رحلتهم إلى فرنسا في أوائل عام 1918.
.
لكن دراسات أخرى حددت المعسكر الرئيسي للقوات في إتابلس بفرنسا بصفته مركز الإنفلونزا الإسبانية. نشر البحث فريق بريطاني في عام 1999، بقيادة عالم الفيروسات جون أكسفورد. في أواخر عام 1917، أبلغ علماء الأمراض العسكريون عن ظهور مرض جديد مع ارتفاع معدل الوفيات وأدركوا فيما بعد أنها الإنفلونزا. كان المخيم والمستشفى المكتظان موقعا مثاليا لنشر فيروس الجهاز التنفسي. عالج المستشفى الآلاف من ضحايا الهجمات الكيماوية وغيرها من إصابات الحرب. مر 100 ألف جندي عبر المخيم كل يوم. كان المخيم أيضا موطنا لحظيرة خنازير حية، وكانت الدواجن تحضر بانتظام من القرى المجاورة للحصول على الإمدادات الغذائية. افترض أكسفورد وفريقه أن نذير فيروس أساسي، يسكن الطيور، تحور ثم هاجر إلى الخنازير الموجودة بالقرب من مقدمة المعسكر.

كما يمكن مصادفة دراسات أخرى تدعي أن أصل الوباء يعود إلى الولايات المتحدة. زعم المؤرخ ألفريد دبليو. أن الإنفلونزا نشأت في ولاية كنساس، ووصف المؤلف الشهير جون باري مقاطعة هاسكل في كنساس بأنها نقطة الأصل. زعم أيضا أنه بحلول أواخر عام 1917، كانت هناك بالفعل موجة أولى من الوباء في 14 معسكرا عسكريا أمريكيا على الأقل*.

كأن التاريخ يعيد نفسه.

كما هو الشأن اليوم مع فيروس سراس كوڤ2 وفي منطقة شرق وجنوب شرق آسيا، فعلى الرغم أن الوباء تسبب بعدة وفيات في المنطقة فإنه كان أقل بكثير من الأرقام المسجلة في باقي مناطق العالم، فالصين إحدى المناطق القليلة في العالم التي كانت أقل تأثرا بجائحة الإنفلونزا عام 1918، ولأن الدراسات التي تخص تلك الجائحة أغلبها تم بشكل متأخر فإنه لا يخلو من مؤتراث التدافع السياسي الحالي،  فـالصين وأمريكا تتبدلان الاتهامات، وتصدران بشكل متزامن دراسات ونظريات عن مكان منشأ الوباء، تغذيها بالدرجة الأولى البروباغندا السياسية والتنافس الاقتصادي.

 وتمكن  العالم من وقف الوباء بعد أن قتل من أصيبوا به أو جعلهم يكتسبون المناعة ضده، وهو الخيار الذي لجأت إليه الدول الاسكندنافية في مواجهة كوفيد 19 وهي نفس الاستراتيجية التي كانت تنوي بريطانيا تطبيقها  في بداية انتشاره والمسماة مناعة القطيع.


*: توجه الصين تقريبا نفس الاتهامات لأمريكا بخصوص فيروس كورونا، حيث تعتبر الجنود الأمريكان هم من نقلوا العدوى إلى مدينة هوبي أثناء الألعاب العسكرية التي استضفتها المدينة أسابيع قليلة قبل انتشار الجائحة.


تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -