كوفيد-19: رسالة، فكيف نقرأها ؟
تعلمنا أنه مع كل جائحة، تأتي مقترنة بمخاوف البشر وأوهامهم ونبوءات الأسلاف الأبدية. ومن بين دوامة الأصوات النشاز التي تغرقنا، كيف يجب أن ننظر لما يحصل حولنا؟ لقد نص غارد دايموند في كتابه "أسلحة، جراثيم وفولاذ" على أن الأوبئة هي أحد المحركات الجوهرية للحضارة الإنسانية، فقبل كل نهضة هناك انكسار. وتفشي الأوبئة هي دورات طبيعية تحدث مرارا في تاريخنا، وتعقب كل انطلاقة تهيئ الواقع الإنساني لشكل جديد. وكلما نظرنا إلى الوراء اكتشفنا أننا كنا نسلك سلوك الوباء. لكن البشرية كانت تفقد الذاكرة. فايروس كورونا ليس أشد الفايروسات فتكا، لكنه يذكرنا بحقيقتنا ويفضح مكامن ضعفنا وهشاشة حضارتنا، فنزداد هلعا.
بالاعتماد على المنحى الحالي للفايروس، فإن هذه الجائحة لن تكون نهاية النوع البشري، أو العالم كما يود البعض أن يزعم، والبشر بجميع الأحوال هم ليسوا كل العالم!
لقد بدد فايروس خبيث زيف انفصالنا عن الطبيعة. فهو يلغي الحواجز الثقافية التي نرسمها لتفصل بيننا وبين بقية الحيوانات التي عانت أبشع استغلال من قبل بني الإنسان منذ عشرة آلاف سنة.
العالم يحجر نفسه، و"ما قبل كورونا ليس كما بعده". هذا صحيح ليس لأن النظام الاقتصادي سيتغير أو ينهار، ولا لأن الأمم سوف تنكفئ على نفسها خلف أقنعة قومية ووطنية، بل لأننا نحن لن نكون أنفسنا. الحجر سيعيد إلينا ذواتنا التي لم نستكشفها بعد، بسبب غمامة السموم التي كانت تغرق حياتنا. الأهم من إعادة النظر بالبنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، هو إعادة استيعاب وجودنا في عالم يحاول ابتلاعنا بملهياته ويحاول تشكيل هويتنا بأوجه واهية كالدين والوطنية وغيره. كما أن علاقتنا بالزمن سوف تتغير، بعد أن كانت محددات الزمن هي إملاءات لنمط الحياة في الخارج. انظر للأمر على أنه اختبار لعقلانيتنا وتعاطفنا وإحساسنا بآلام الإنسانية وهو المستهدف. كما ايقظ الفايروس أسوأ ما فينا من انانية وهلع وشماتة، يجب أن نوقظ نحن قوى الحياة والحب والتضامن، ريثما يعمل العلم على ايجاد الحل، وهذا يتطلب تضامنا يتجاوز الغايات الربحية أو السياسية. سوف تناقش ولوقت طويل طريقة تعاملنا مع الآخر والطبيعة والكائنات الحية، وعاداتنا ونماذجنا الثقافية، ويعاد النظر بأولوياتنا مثل أهمية الحياة الإنسانية أولا، وأن يوجه البحث العلمي لهذا المبتغى.
إنها ليست نهاية العالم، ونحن حيوانات حكاءة لا تكف عن اختلاق القصص الكبيرة. العزلة ستخلق مزيدا من القصص (من خلال أنشطتنا الإنسانية وتفاعلنا مع أطفالنا وأحبائنا، مع أنفسنا ومنزلنا) والتي بدورها ستعيد تعريف عالمنا، والطريقة التي نتخيل أنفسنا فيه. إن الليل ليس كما النهار إذ يمكن لليل أن يكون مروعا إذا ما أطبقت علينا وحدته، ولكن وحدها نجومه ترشد أقدارنا. وفي النهاية ينبغي أن نشيد العالم كي ينهار، وسيأتي يوم لا يوجد فيه من سيشيده مرة أخرى.
إنها حقيقة يجب أن نتعايش معها.
