مقالات مختارة

لماذا يأكل الصينيون كل شيء تقريبا ؟




لماذا يأكل الصينيون كل شيء تقريبا ؟

على الرغم من أن الصين ليست البلد الوحيد لانتشار الأوبئة الفيروسية التي لها علاقة بالاحتكاك بالحيوانات[1]، فإن الانتشار الواسع لفيروس كورونا الذي ظهر أول الأمر في سوق شعبي بمدينة ووهان الصينية جعل أصابع الاتهام تتوجه نحو النظام الغذائي لهذا البلد القارة، الذي يعتمد في بضع وصفاته على الحيوانات البرية، التي يتم شراؤها محليا أو من الخارج وفي أحايين كثيرة يتم تهريبها من مختلف بقاع العالم خصوصا الحيوانات المحمية من طرف المنظمات الدولية.
 لكن لماذا يتغذى  الصينيون على الحيوانات البرية؟

ليس من باب المغالاة التأكيد على أن ما يروج في الأوسط الشعبية من باب التفكه على أن "الصينين يتناولون كل شيء يسير أو يطير أو يسبح غير وسائل النقل"  يقارب الواقع، حتى وإن كان فيه بعض التعميم غير السليم. فالصين بلاد المليار ونصف نسمة متعدد الأعراق والعادات والقوميات والأنظمة الغذائية، فمن الطبيعي أن تتعدد فيه الثقافة الغذائية وتتنوع بين سكان هذه الدولة الكبيرة.

فاذا كانت لدى بعض الثقافات خارج الصين معتقدات تحرم تناول بعض الحيوانات، فإنه لا يوجد فيها تقريبا ما يمنع الصينين من تناول ما يريدون، والمحرمات في الثقافة الغذائية الصينية تستند على مؤثرات الثقافة التقليدية السائدة بين القوميات التي لديها مرجعيات عقائدية وتاريخية وفكرية مختلفة. لكن هذا لا يعني أن الصينين يأكلون كل شيء حي، وبالتالي ما يتغذى عليه الصيني خيار يرجع للحرية الفردية. وطبعا يجب وضع في الاعتبار عادات القوميات والأديان والثقافات المتعددة المتواجدة في الصين، فلا يجب تناسي أنها دولة إمبراطورية المساحة وتضم ما يقارب 56 قومية مختلفة وتعداد سكانها هو الأكبر على الصعيد العالمي.

فمثلا فقومية المان تحرم أكل الكلاب، وسبب ذلك حسب ثقافة هذه القومية أن كلبا أنقد حياة "نورهس" أحد ملوكها، ومنذ ذلك الحين منع الملك ضرب الكلاب أو قتلها وأكل لحومها، وعندما تموت ينبغي ذفنها بشكل لائق ووضع غصن من شجر الصفصاف على قبرها تعبيرا على الاحترام.
ولكنه بعض الأماكن الأخرى في الصين تشتهر بأكل لحومها، فإقليم يولين في محافظة قوانغشي يوجد به مهرجان " لحم الكلب" يتم إحياؤهم بشكل دوري وتنقل وكلات الإعلام صور بشعة عنه. لكنه رغم ذلك يوجد الملايين من الصينين الذين يرفضون إحياء هذا المهرجان ويحتجون ضده عبر كل الوسائط المتاحة لهم، مطالبين الرفق بالحيوانات ورافضين أكل لحومها، وبالتالي فبالمقارنة مع عدد من يميلون لتجريب الأشياء والمأكولات الغريبة، فإن عدد من يرفضون التخلي عن هذه العادات أكبر بكثير.

من جهة ثانية ففي الصين وحدها يعيش ما يقارب 120 مليون بوذي، وكما هو معروف فالبوذية تحرم أكل لحوم الحيوانات وما يخرج منها كالبيض مثلا، بالإضافة إلى بعض الخضروات ذات الروائح القوية كالثوم والفلفل الحار، ولا يتغذى البوذيون على اللحوم لأنهم يؤمنون بمبدأ تناسخ الأرواح في حركة مستمرة بعد الموت، وينتج عن هذا دورة تسمى بالتحلل والموت ويشارك فيها جميع الحيوانات والبشر، وبالتالي فهم يعتقدون أن ما يمكن أن يأكلوه من الحيوانات ليس سوى بشر في حياة سابقة.

أما في التبت فتختلف فيها العادات الغذائية تماما رغم كونها بلدة ذات أغلبية بوذية، فأهاليها لا يمانعون في أكل لحم البقر والخراف والخنازير، لكنهم في نفس الوقت لا يأكلون لحوم الأسماك والطيور والحيوانات ذات الحوافر المستديرة، مثل الحمار والحصان والظباء، وسبب عدم أكلهم للأسماك والطيور راجع لأنهم يتبعون أساليب الدفن المائي أو في الهواء الطلق ويعتقدون أن الأسماك والطيور تأكل رفاة الموتي وبالتالي عليهم توقيرها واحترامها.

يتضح أنه بسبب تنوع الثقافات الغذائية الصينية وبسبب عشق الشعب الصيني للطبخ، فهناك موارد طبيعة متعددة يسمح له أن يختار منها ما يناسبه وفق عادات ومعتقدات القومية التي ينتمي إليها بما في ذلك الإسلام والمسحية.

ورغم ذلك يبقى سؤال لماذا يختار بعض الصينين الإقتيات على الحيوانات البرية مطروحا، فغلبة الظن أن هذا الاختيار بدوره راجع لعادات القوميات، فمنهم من يعتقد منذ القدم بنظرية تسمى "توحد الإنسان والطبيعة"، ويؤمنون أن جوهر الدنيا هو الانسجام بينهما، لذلك يتصورن أن الأشياء الطبيعية غير المصنعة تكون أفضل وأكثر فائدة لصحة الإنسان، واثقين بـأن أكل الحيوانات البرية مفيد للصحة ويقويها ويحميها من الأمراض ويعزز مناعة الجسم. بالإضافة إلى ذلك فقد كانت الحيوانات البرية النادرة أطباق خاصة لعائلات الأباطرة في أسرة تشينغ الملكية منذ مئات السنين، مما جعل أكل الحيوانات البرية رمزا للمكانة الاجتماعية.

ومؤخرا بعد اجتياح فيروس كورونا للصين أصدرت الحكومة المركزية قانونا صارما لمنع أكل في فبراير 2020، مدعومة بشريحة واسعة من أفراد الشعب التي ناشدت السلطات بإصدار نصوص تحرم أكل الحيوانات البرية.


1:        انفلونزا الخنازير، المكسيك
السارس، السعودية.
ايبولا، السودان والكونغو
الانفلونزا الاسبانية، يرجح أن موطنها الولايات المتحدة ثم انتقلت إلى فرنسا





تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -