مقالات مختارة

شهر رمضان: دلالة التسمية وأصل التقويم الهجري.



شهر رمضان: دلالة التسمية وأصل التقويم الهجري.



يحتل شهر رمضان، مكانة هامة في قلوب المسلمين، تختلف عن باقي شهور السنة الهجرية، فهو شهر الصوم الذي يعد أحد أركان الإسلام، ويعتبر الشهر الذي نزل فيه القرآن الكريم، فلماذا ثم اختيار كلمة رمضان لتسمية الشهر الثامن للتقويم العربي؟ وكيف نشأ هذا التقويم؟ وماهي التغيرات التي طرأت عليه؟ وماهي ظروفها؟


في البداية لابد أن نشير إلى أن اسم رمضان كشهر كان  اسم معمولا به قبل الإسلام، حيث كانت الشهور تسمى وفق الظروف والأزمنة التي وقعت فيها، ويشتق رمضان من الرمضاء ومعناها شدة الحر أو الرمض، سمي هذا الشهر رمضان؛ كتوافق مع شدة الحر، بمعنى أنه كان يحل في فصل الصيف الحارة في منطقة الجزيرة العربية. مما يجعلنا أمام مفارقة جلية، حيث حاليا الجميع يعلم أن شهر رمضان لا يتوافق تماما مع أي فصل أو شهر شمشي وأنه لا يبقى في موسم تابت بل يبتعد كل سنة بمقدار 11 يوما عن الشهر الذي كان فيه في السنة السابقة، وبعد مايقارب ثلاثة عقود يكون رمضان قد حل في كل الفصول.


ولحل هذه المفارقة فإننا سنضطر للغوص قليلا في تاريخ التقويم في الجزيرة العربية، فكما هو معلوم فالتقويم الهجري المعمول به حاليا، اعتمد بعد فرض صيام شهر رمضان وبعد وفاة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، وتم إحداثه من قبل الخليفة عمر بن الخطاب، الذي جعل هجرة رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة في 12 ربيع  الأول مرجعا لأول سنة فيه، بعد مرور سبعة عشرة سنة من الهجرة.


لكن ماهو التقويم الذي كان معمولا به قبل ظهور الإسلام؟

رغم أن القبائل العربية كانت جلها تعتمد على التقويم القمري، فإن كل قبيلة كانت تعتمد تقويما يعتمد على الأحداث المهمة في تاريخها، كتاريخ بناء الكعبة من قبل إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل عليهما السلام أو عام العذر، وهو العام الذى نهب فيه بنو يربوع ما أنفذه بعض ملوك بنى حمير إلى الكعبة. أو انهيار سد مأرب فى اليمن، أو عام الفيل، وهو العام الذى عمل فيه ابراهام الحبشي على هدم الكعبة وغيرها من أحداث.


ويذكر البيرونى فى كتابه المهم الآثار الباقية عن القرون الخالية أنه فى زمن كلاب بن مرة خامس جد للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، انعقد فى مكة اجتماع ضم سادة قبائل العرب، وكان هدفه توحيد أسماء أشهر التقويم، وذلك بعدما كانت كل قبيلة ترتب أسماء الشهور حسب ظروفها مما كان يعطل الأمور خاصة الحج. والمعروف أن العرب قبل الإسلام كانوا يستعملون السنة القمرية وكان بها 12 شهرا قمريا تضبط من رؤية الهلال إلى رؤيته ثانية، وكان فيها أربعة أشهر حرم يقعدون فيها عن القتال ويقيمون فيها أسواقهم بعكاظ وغيرها ويحجون إلى الكعبة وهم آمنون فى سفرهم وإقامتهم من الغارات والسلب وقطع الطريق.


لكن لكي يحافظ العرب على الأشهر في فمواقعها، ولكي تتوافق مع أنشطتهم السنوية المهمة خصوصا التجارية منها، وبالضبط رحلتي الشتاء التي كانت تتم نحو أقصى جنوب اليمن والصيف التي كانت تتم نحو الشام، ولكي يتجنبو المواسم المطرة في المنطقتين واختيار الخروج في المواسم المعتدلة كانوا يعملون بنظام الشهر النسئ  المستوحى من اليهود اليمنين، ويرجح أنهم كانوا يضيفون شهرا كل ثلاثة سنوات، ليصبح عدد الأشهر في السنة الثالثة، ثلاثة عشر شهرا، فكان يتوافق الحر مع رمضان وفصل الربيع مع شهري الربيع الأول والثاني، وقد ظل هذا النظام المعمول به قائما حتى في السنوات الأولى من الإسلام.


ولأن بعض كبار القبائل العربية كانوا يغيرون من الشهور الحرام حسب هواهم، حسب ما ذكره ابن هشام في كتابه "السيرة النبوية" أن "أبا ثمامة جنادة بن عوف، كان آخرهم (من يقوم بالتغير)، وعليه قام الإسلام، وكانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه، فحرم الأشهر الحرم الأربعة: رجبا، وذا القعدة، وذا الحجة، والمحرم. فإذا أراد أن يحل منها شيئا أحل المحرم فأحلوه، وحرم مكانه صفر فحرموه، ليواطئوا عدة الأربعة الأشهر الحرم. فإذا أرادوا الصدر قام فيهم فقال: اللهم إني قد أحللت لك أحد الصفرين، الصفر الأول، ونسأت الآخر للعام المقبل".


عمل الإسلام على تحريم النسئ من خلال الآية الكريمة من صورة التوبة "إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا"، ثم في الآية: " إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْر" وذلك بعد أن صام الرسول عليه الصلاة والسلام وصحبه تسعة أشهر رمضانية في التقويم العربي القديم، وقام بإبطال الشهر النسئ في حجة الوداع حيث قال : "ألاَ وإنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَهُ السَّمَاوَاتِ وَالاْرْضِ"، عني‌ بذلك‌ أنّ الشهور قد عادت‌ إلى مواضعها، وزال‌ عنها فعل‌ العرب‌ بها. ولذلك‌ سمّيت‌ حجّة‌ الوداع‌، الحجّ الاقْوَم‌، فتم تحريم النسئ منذ ذلك التاريخ ففارق التقويم العربي الفصول السنوية التي وضع عليها بداية.


تعليقات
تعليق واحد
إرسال تعليق
  • Asmae
    Asmae الثلاثاء، 21 أبريل 2020 في 12:54:00 ص غرينتش+1

    جزاك الله خيرا
    لكنني أفلت الخيط في الفقرة الأخيرة
    مامعنى النسئ

    إرسال ردحذف



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -