هذا الوقت المتسارع بدأ ينفلت من بين يداي، أشحذ كل طاقاتي لأتمكن من السيطرة عليه، أسعى التغلب عليه من خلال الانشغال عنه بالعمل، لا أريد أن أمنح لنفسي فرصة للتفكير فيه، لكن عبثا أحاول ذلك، ففي أحايين كثيرة لا أقوى على هذا الأمر، خصوصا عندما أكون مضطرا للسفر مستعملا السيارة، أن تظل ممسكا بالمقود طيلة ساعات ولا شاغل لك سوى التفكير، طبيعي حينها أن تستبد بك الذاكرة لتفرض عليك استعادة أحداث بعينها، تلبد صفاء حالتك النفسية وتعكر مزاجك، لذلك لا أحب السفر، أو بعبارة أدق أكره السفر بالسيارة وحيدا، لأني حينها أكون فريسة سهلة لسطوة الذكريات المؤلمة.
ذات شتاء، في يوم بارد وماطر، متجاوزا الأصيل ببضع دقائق، ومسود أيضا بضباب كثيف، يحول دون أن تُفسح الرؤيا لمسافة معقولة، وبرفقة مذياع معطل ولا يفلح سوى في بث الضوضاء، وأمامي سفر لمسافة ستة ساعات طوال بالتمام والكمال.
وأنا مدفوع بمشقة نحو تخطي هذه العقبة النفسية، مستسلما لقصف الذاكرة الجائرة، دفعت العربة لتأكل الطريق في هذه الأجواء، مبتعدة بأميال عن الحضر متوغلة في عالم القرى، بالكاد استطعت أن ألمح طيفه الذي بدا كالشبح بالقرب من الدغل مستجديا التوقف، فتوقفت على قارعة الطريق وأنا أنظره درعا يقيني شر الوحدة، رأيته شيخا من خلال مرآة السيارة يتقدم نحوي بخطى لهفة، فتح الباب، ثم دون أن ينظر إلي جلس في مقعده إلى جانبي، أمن نفسه بوضع حزام السلامة، ثم وضب محمولاته بالقرب من رجليه، بسط يديه وأطلق العنان لشفتيه، وبدأت الأدعية والأذكار تنثال من تغره، يحمد الله الذي سخرني له لأنتشله من مشقة متوقعة، ويدعو للمُسخر بالتوفيق والنجاح والرحمة والمغفرة، كان في صوته الكثير من الحنو والتحنان،استغرق في الأمر مدة زمنية معتبرة قبل أن يلتفت إلي ويقول: " السلام عليكم أ بَّ !"(1)، صدمت لمقالته، لأنه في الواقع أقرب إلى الشباب من الشيخوخة، له حظ وافر من الوسامة، أطلق لحية شديدة السواد مخضبة بالحناء ، جلبابه بيضاء أنيقة رغم البلل الذي اعتراها، لكن لفضة " أ بَّ" ، التي كان يوجهه لي بعد كل سؤال، " ما اسمك أبَّ ؟.... أين تعمل يا بَّ؟.... نعم نعم يا بَّ، ..... أعانك الله يابَّ"، بدت لي غريبة، لا تراعي المقام، لكني استشعرت في النهاية أن وراءه حكاية أو قصة ما، هي ربما حكمة قبل أوانها، سمكرها عمر أنفق في تجارب مريرة.
بعد أن ارتوى فضوله من تقصي حقيقة الشخص الذي يقوده لاذ بالصمت، مسلما إياي مشعل المبادرة فسألته
- إلى أين أنت ذاهب؟
- أنا هائم في الأرض طالب للعلم.
- ومن أين أتيت ؟
- من القرية في أعلى التل وسط الأجم.
- مسكنك هناك؟
- نعم، إنه مسكن زوج أمي على الأصح؟
- وأبوك؟
- لا أعرفه ولا أعرف هل يعرفني .
- كيف ؟
- اسمع سأحكي لك قصتي وسأعفيك من حيرة السؤال، واعلم أن ما ستسمعه الآن أنا بدوري لأ أتذكره، تاريخي ونسبي وأنا قصص تلوكها الألسن، لا أتبين صدقها ولا كذبها، أهي حقيقة أم من نسج الخيال، يقولون أن أبي كان يرفل في أنهار من النعمة، يكتسبها من التجارة والفلاحة، تجارة القنب الهندي على الخصوص، أتعرف القنب؟ إنه النبتة التي يستخرج منها الحشيش، والدي كان يزرع منها الأطنان. أما والدتي فكانت طفلة صغيرة وفاتنة، أغرم والدي وتيم بها، رفض جدي تزويجها لأنها لم تكمل خمسة عشر ربيعا بعد، لكن أمي البلهاء الطيبة الشقية، أغراها الجاه و بريق المال، فشغفت به حبا ولحياة المدينة شوقا، انكسرت شوكت جدي بعد أن رأى مقلتيها تستو كف أنهارا من الدمع، لان ورق قلبه وسلم للإذعان، هجرته فلذت كبده واستقرت بالمدينة. تحكي له أمي أن الذئب بعد أن قضى وطره منها أهملها وتركها عليه كظهر أمه، وليته اكتفى بذلك بل كان يقيم في بيت الزوجية الليالي الحمراء الطوال يدعو لها السكارى والعاهرات والراقصات ويؤمر أمي بالكنس والطبخ وتهيئ أجواء السمر، وعندما يحضر ضيوف المجون يغلق عليها في غرفتها بالمفتاح. ضاقت أمي ذرعا بالأمر، قُهرت كرامتها وذُبحت في قلبها، عادت إلى قريتها عند جدي، لكنها لم تعد وحيدة، كنت معها تحملني في أحشائها، قبل جدي الأمر واحتضن المسكينة، لكنه في قريتنا الملعونة لا مكان لامرأة مطلقة صغيرة وفاتنة، إنها كالشتيمة ومصدر للعار، سارعت جدتي لتزويجها فور انتشلتُ من بين فخديها، لم تراني ولم ترضعني، زُفت إلى زوجها الجديد والدم ينز من فرجها من جراء وضعي.
أما أنا فقد تناوبت النساء المرضعات على إرضاعي، القرية بالنسبة لي كالكعبة، محرم علي وطأ نسائها، كلهن أخوات لي في الرضاعة. وفي القرية اشتهرت بلقب " المليوح" بمعنى المهجور الذي لا ولي له، سوى جداي لأمي، في بداية صباي كانا لا يدخرا جهدا قصد إسعادي، لكن الزمن بدال ودوار، ماتت جدتي وتزوج جدي، والحكومة أقامت في القرية مدرسة، فقل دخلنا لأن كتاب جدي هجره الأطفال إلا من بضعة رواد فقراء، فأودعني عند فقيه صديق له إمام في المدينة، لأخدمه مقابل أن يعلمني القرآن والحديث وفي الواقع ليتخلص من عبء رعايتي الذي أثقل كاهله، في إقامتي الجديدة لا اعرف للنوم سبيلا، وكل ما يمكن أن يحتاجه الفقيه أقوم به، الكنس والطبخ والسخرة والبناء والهدم والغسيل، لا أعرف طبيعة مهامي، وفق هذا علي أن أحفظ القرآن، والأحاديث الصحاح، ومدونة الفقه المالكي ومدونة الاجرومي، وبقدرة قادر كنت أتقدم في كل هذا، لكن الله العلي القدير، إذا أحبك ابتلاك وامتحنك، لكن امتحاناته قاسية، الحمد لله على كل حال وفي كل الأحوال، لقد أصابني مرض خبيث، إنه مرض النقطة.
أتعرف مرض النقطة؟ أنه مرض ممزوج بالطلاسم والسحر، يسمونه أيضا " التوكال"، إنه ذلك المرض الذي يتأكلك من الداخل، معدتك تلفظ كل ما يقع في جوفك، ويضمر جسمك باستمرار إلى أن تحين النهاية، وأنت تقبع هناك وحيدا تحف بك الموت وتنتظر النهاية في استسلام تام، أنا لا أعرف كيف تجنبت هذه المحنة المريرة، كلما أذكره أني شعرتني كمن عاد من سفر بعيد أو من نومة طويلة، بعدها لا أذكر أي شيء سوى هذه العائلة الكريمة التي رعتني بعد أن وجدوني مرميا بالقرب من الطريق، لم يفلحوا في معرفة أي معلومة عني فأنا لا أذكرني، كل ما كنت أتلفظ به هو آيات من القرآن، هالهم أمري فأشفقوا، وأودعوني في غرفة بالمسجد، واهتموا برعايتي، استفقت هنا في هذا اللامكان، لم أعرف كم من الوقت مضى وأنا على هذا الحال، تضاربت الألسنة في تقرير ذلك، يقولون يوم ولدت بنت القائد أو في عام الفيضان أو في سنة الكسوف، أن لا أدري، تذكرت جدي وعدت إلى ما كنت أعرفه قريتي فلا أنا عرفتهم ولا هم عرفوني، لولا رجل كهل أرشدني إلى قرية، تلك التي وجدتني أسفل تلتها، حيث توقع أنه يعرفني، زاعما أنها لأمي ربما قد استقصي عندها أخبار عائلتي، وكذلك كان، التقيت أمي بعض دهر من الزمن، في بيتها الفقير ومع زوجها الأفقر، لم يكن لنا ذلك اللقاء الذي ينبغي أن يكون، لقد طوعت قلبها على نسياني، واعتادت على العيش بدوني، بعد أن أنجبت دستة أبناء، لم يعد في قلبها متسع لاحتضان شقي آخر، في حياته زوج لن يرغب بي، رق قلبي لحالها، بدت في حاجة للعطف أكثر مني، مذ ذلك الحين أزورها بانتظام أحمل لها الكسوة والطعام وبعض المال، أما أنا فالله متولي أمري، أهيم في أرضه الواسعة، أطلب العلم تارة وأعمل في القرى كخطيب وإمام تارة أخرى.
أتعرف مرض النقطة؟ أنه مرض ممزوج بالطلاسم والسحر، يسمونه أيضا " التوكال"، إنه ذلك المرض الذي يتأكلك من الداخل، معدتك تلفظ كل ما يقع في جوفك، ويضمر جسمك باستمرار إلى أن تحين النهاية، وأنت تقبع هناك وحيدا تحف بك الموت وتنتظر النهاية في استسلام تام، أنا لا أعرف كيف تجنبت هذه المحنة المريرة، كلما أذكره أني شعرتني كمن عاد من سفر بعيد أو من نومة طويلة، بعدها لا أذكر أي شيء سوى هذه العائلة الكريمة التي رعتني بعد أن وجدوني مرميا بالقرب من الطريق، لم يفلحوا في معرفة أي معلومة عني فأنا لا أذكرني، كل ما كنت أتلفظ به هو آيات من القرآن، هالهم أمري فأشفقوا، وأودعوني في غرفة بالمسجد، واهتموا برعايتي، استفقت هنا في هذا اللامكان، لم أعرف كم من الوقت مضى وأنا على هذا الحال، تضاربت الألسنة في تقرير ذلك، يقولون يوم ولدت بنت القائد أو في عام الفيضان أو في سنة الكسوف، أن لا أدري، تذكرت جدي وعدت إلى ما كنت أعرفه قريتي فلا أنا عرفتهم ولا هم عرفوني، لولا رجل كهل أرشدني إلى قرية، تلك التي وجدتني أسفل تلتها، حيث توقع أنه يعرفني، زاعما أنها لأمي ربما قد استقصي عندها أخبار عائلتي، وكذلك كان، التقيت أمي بعض دهر من الزمن، في بيتها الفقير ومع زوجها الأفقر، لم يكن لنا ذلك اللقاء الذي ينبغي أن يكون، لقد طوعت قلبها على نسياني، واعتادت على العيش بدوني، بعد أن أنجبت دستة أبناء، لم يعد في قلبها متسع لاحتضان شقي آخر، في حياته زوج لن يرغب بي، رق قلبي لحالها، بدت في حاجة للعطف أكثر مني، مذ ذلك الحين أزورها بانتظام أحمل لها الكسوة والطعام وبعض المال، أما أنا فالله متولي أمري، أهيم في أرضه الواسعة، أطلب العلم تارة وأعمل في القرى كخطيب وإمام تارة أخرى.
أنا اليوم لا أعرف من ألوم، لا ألوم أبي، ولا ألوم أمي، ولا ألوم جدي، ولا ألوم زوج أمي، ولا ألوم زوجة جدي، لكن من ألوم ؟ هل ألوم الله ؟
بعد ساعات من المسير، توقفت بالسيارة في محطة للوقود، ترجلت منها لأشتري بعض الأغراض، أسرعت الخطى لأعود إليه آملا في سماع تفاصيل جديدة من قصته، فلم أجده في مكانه، جلت بنظري في الأنحاء بحثا عنه، فرمقته يختفي بعيدا في الظلام، استخرجت دفتر مذكراتي ودونت من قصته ما علق منها في ذهني .
فؤاد اعليلش
