فيروس كورونا: أكمة تختفي خلفها الكثير من الإيجابيات كونيا
ومحليا.
كيف يمكن لوباء قاتل أن يكون مفيدا، بعدما تسبب في وفاة الألاف وسلب الملايير
من المواطنين حريتهم وقيد حركتهم، وأوقف كل مناحي الحياة وعطل الأعمال وقطع
الأرزاق ونشر البطالة.
يركز أغلبية المتابعين على أرقام الوفيات التي تنقلها بإسهاب كبير الوكلات
الإعلامية، التي تتسابق في نقل أخبار الموت والخراب التي تسببها الجائحة، لكنه في
نفس الوقت لا تركز في أخبارها على أوجهها الإيجابية العديدة. فكما هو معلوم فالحد
من حركة النقل وتوقف أغلبية المصانع عن العمل ساهم في خفض نسبة التلوث ووقف حدة
الاحتباس الحراري، والمسألة هنا تتجاوز البعد الجمالي ونقاء الأجواء بل لها انعكاس
مباشر على الصحة النفسية والجسدية للمواطنين. حيث أن التلوث الغازي يسبب الكثير من
الأمراض الخطرة، فغاز كأكسيد النيتروجين الذي تطلقه محركات وسائل النقل أو عند حرق
الفحم والغاز والخشب والنفايات، يسبب وفاة أكثر من أربعمئة ألف شخص بشكل مبكر في
الاتحاد الأوروبي وحده مقابل أربعة آلاف شخص تحت سن الخامسة وثلاثة وسبعين ألف شخص
فوق سن السابعين في
الصين، ناهيك عن أولئك الذين يصابون بأمراض تنفسية وأخرى تطال القلب والأوعية
الدموية، مما يكلف اقتصاد الأوربي أكثر من عشرين بليون أورو كل سنة وفق
المفوضية.
وأشار تقرير لشبكة "سكاي
نيوز" إلى أن لتفشي وباء "كوفيد-19" فائدة تمثلت في توقف
التنافس بين العصابات وتراجع مستويات العنف عموما بالمدن في بريطانيا، ويبدو أن
السبب وراء ذلك يعود إلى أن أفراد العصابات يتبعون قواعد وإجراءات الأمن والسلامة
المتعلقة بمكافحة عدوى فيروس كورونا الجديد. وقال رئيس مؤسسة "غانغسلاين
تراست"، وهي جمعية خيرية، شيلدون توماس لـ"سكاي نيوز" إن
"التنافس بين العصابات قد توقف وتم وقف العنف مع اتباع أعضاء تلك الجماعات
لقواعد السلامة من فيروس كورونا". وأضاف توماس، أن نشاط العصابات خارج المدن
انخفض أيضا مع تطبيق الشرطة لإجراءات "البقاء في المنزل" الاحترازية.
وأشار إلىأن نشاط زعماء العصابات وتجار المخدرات في الاستيلاء على منازل الضعفاء لاستخدامها كقاعدة لعملياتهم، انخفض أيضا بفضل إجراءات إبطاء تفشي كوفيد 19.
وهي النقطة التي لا تتعلق ببريطانيا لوحدها بل تتعلق بكل دول العالم التي فعلت إجراءات الحجر الصحي، بما في ذلك المغرب، حيث أن المديرة العامة للأمن الوطني أصدرت بلاغا تشير فيه إلى تراجع نسبة الجرائم وانخفاض في نسبة وفيات حوادث السير بشكل كبير جدا، يتضح إذن من خلال هذه المعطيات أن فيروس كرونا حتى وإن كان يأخد بعض الأرواح فإنه عمل في نفس الآن على حماية أخرى بطريقة غير مباشرة، هذا أن ننسى أنه الجائحة كانت سببا في تراجع العديد من النزاعات المسلحة عبر العالم.
ومن الإيجابيات المهمة كذلك في السياق المغربي والتي فرضتها الجائحة
هي تعزيز قيم التضامن والتكافل بين أفراد المجتمع، وبروز العديد من المبادرات
الجميلة، خصوصا من رجال السلطة، حيث كانت هذه الجائحة مناسبة لظهور الجانب
الإنساني للعديد منهم والذي غير نسبيا جزء من الصورة السلبية التي كانت طاغية في
السابق، كما أنها ساهمت في تعزيز الثقة في مؤسسات الدولة التي قامت بما يلزم
(في حدود معينة ) في تدبير هذه الأزمة، كما كانت سببا في بروز العديد من
الكفاءات المحلية والتي انخرطت بشكل طوعي لتقديم مبادرات عملية لانخراط في الجهد
الجماعي لوقف انتشار الوباء، وهذه الأمور جعلت المواطن يتق بشكل أكبر في نفسه وفي
بلده وفي المتاح الذي بالإمكان الاستناد عليه لتحقيق التقدم مستقبلا.
كما أن الأزمة ساهمت في ترشيد النفقات وتخصيصها للأمور المهمة،
وأعادت صياغة الأولويات حيث سلطت الضوء على الأهمية القصوى التي يجب أن يحتلها
قطاع الصحة والتعليم في سياسة الحكومة، حيت أعادت الاهتمام بالعلماء والمعامل
والبحث العلمي، وتخصيص ميزانيات وموارد أكبر للبحث. وقد تكون هذه الجائحة نواة
لاستحداث أنظمة ووزارات للأبحاث والدراسات، والاستشراف، والتنبؤ، خصوصا والمغرب في
خضم نقاش مؤسساتي وطني حول النموذج التنموي الذي يجب أن تسير على دربه الدولة
مستقبلا.
ولا ننسى أن الظروف التي نعيشها اليوم كانت مناسبة للعديدين لتعلم القدرة
على إدارة الأزمات الشخصية، وتشجيع الناس على إدارة حياتهم في ظل ظروف ليست عادية.
والاستعداد لإيجاد البدائل في كل شيء، بالإضافة للتكاتف والتضامن والتطوع، والعمل
بروح المجتمع الواحد، كما كرست دور الأسرة وجعلت أفراد المجتمع يعيدون اكتشافها.
