في خضم الحديث عن فيروس
كورونا وحجم الخسائر الفادحة التي يسببها لمختلف دول العالم سواء على المستوى الاقتصادي
أو البشري يعود الحديث عن الأسلحة البيولوجية للتداول خصوصا مع انتشار العديد من
التصريحات السياسية التي تلمح إلى كون فيروس كورونا عبارة عن سلاح بيولوجي تمت صناعته
في المختبرات، دون أن يكون لهذه التصريحات ما يدعمها على المستوى العلمي، بل لا تعدو
أن تكون مجرد خطابات للاستهلاك الإعلامي، وتصدير للأزمات الداخلية نحو اتجاهات
أخرى. والتي تتغذى على القبول الواسع لنظرية
المؤامرة عند شرائح واسعة من مختلف المجتمعات.
وعلى خلاف ما قد يعتقده
البعض فإن السلاح البيولوجي كان يستعمل على نطاق واسع، منذ ما قبل التاريخ، بل
تراجع اللجوء إليه مع التقدم المعرفي وتطور علوم الأوبئة، فقد اتضح أنه سلاح غير
مضمون العواقب، فإطلاق جرثومة في الصين كفيروس أو بكثيريا مثلا ، لا أحد سيضمن،
أنها ستبقى هناك، كما أنه وهذا هو الأخطر لا أحد سيضمن أنها لن تتطور من جديد، فتصبح بذلك قادرة على مقاومة الأدوية، ولأن الهجوم الجرثومي لا ينتقي ضحاياه، كما هو الشأن مع
فيروس كورونا، فإن الدول لا تفضل اللجوء إلى هذا النوع من الأسلحة التي تعطي نتائج عشوائية غير نوعية، وتبقى الجماعات الإجرامية والإرهابية هي الوحيدة القادرة على
استعماله باعتبارها لا تعطي أي حسابات للعواقب، ولا يهمها سوى تحقيق أكبر قدر من
الدمار.
لكن هذا لا يعني أن الحكومات
توقفت عن جهود تطوير الأسلحة الجرثومية، فجميع الدول العظمى تتوفر على مختبرات
متطورة لدراسة الجراثيم، ولا أحد يستطيع الجزم أو أن يضمن أن هذه الدراسات ستبقى
في حدود الاستعمال المدني، فالعلم يبقى سلاح ذو حدين يمكن استعماله لصالح البشرية
كما بإمكان إحدى تطبيقاته أن تسبب الضرر لها.
وبالعودة إلى التاريخ
نجد أن السلاح البيولوجي استعمل في مناسبات كثيرة، فيحكي المؤرخون عن جيش
"السكيثيين" وهو شعب بدوي ينحدر من أصول إيرانية، اعتاد جنوده غمس
سهامهم في جثث الجنود المتحللة قبل إطلاقها على العدو في القرن السباع قبل الميلاد،
كما أن الآشوريون أيضا كان لهم نصيب من حرب الجراثيم، إذ تقول المصادر إنهم وضعوا
فطرا ساما في آبار المياه الواصلة لأعدائهم يصيب هذا الفطر متناوله بالهلوسة،
ويشتهر في العصر الحالي بكونه مصدر عقار هلوسة شهير في مجال علاج الاضطرابات
النفسية. وفي الهند أيضا، لجأت بريطانيا
العظمى إلى السلاح البيولوجي في القرن الـ18، حيث أرسل قائد القوات البريطانية
غطاءين ومنديلا كهدية لرؤساء القبائل الهندية، ولم تكن الهدية مجرد أقمشة، بل
فيروس الجدري الفتاك الذي حقق الهدف وفتك بمعظم السكان الأصليين. كما حدث نفس الشيء
تقريبا مع الإسبان عند استعمارهم لأمريكا اللاثنية.
ويبقى أبشع استخدام للسلاح البيولوجي في التاريخ مرتبط بحادثة حصلت خلال
القرن الرابع عشر، جرت عام 1347 على يد إمبراطورية المغول التي كانت تعتبر من أقوى
دول ذلك الزمان، وكان سبيل المغول الوحيد للعبور إلى العالم الأوروبي يمر من خلال
مدينة "كافا" في شبه جزيرة القرم، حيث كانوا يعتبرون أسوارها الحاجز
الوحيد أمام التوسع والهيمنة.
وأثناء حصار المغول لهذه المدينة، لاحظ قائدهم العسكري
"جاني بيج"، أن جنوده يتساقطون صرعى تحت تأثير مرض غريب؛ هو الطاعون.
وبعد تزايد عدد القتلى في صفوف جنوده، قرر استعمال جثثهم كسلاح ضد المدينة
المحاصرة، وراح يقذف بها بواسطة منجنيق إلى داخل أسوار المدينة، مما أدى إلى
انتشار سريع لمرض الطاعون داخل المدينة، ومن خلالها توسع في كل دول القارة العجوز،
واستمرت الكارثة قرابة ست سنوات، وخلّفت موت أكثر من نصف سكان أوروبا، أي حوالي ثلاثة ملايين شخص، وهو ما جعل هذه المرحلة من التاريخ توصف بـ"الموت الأسود".
أما في العصر الحديث، وفي الحرب العالمية الأولى يقول
مؤرخون إن الجيش الألماني استخدم الجمرة الخبيثة والكوليرا، كما يشار إلى فطريات
القمح كسلاح طور لتهديد الأمن الغذائي لأعداء ألمانيا النازية. كما يتهم الألمان
بنشر الطاعون في روسيا، ومحاولة إرسال قطعان من الماشية مصابة بالحمى القلاعية إلى
الولايات المتحدة الأمريكية.
وفي الوقت الذي تعتبر فيه عملية إلقاء قنبلتين نوويتين
على كل من "هيروشيما" و"ناكازاكي" اليابانيتين، من أفدح ما
عرفته الحرب العالمية الثانية، تقول بعض المصادر إن ما خلفته الأسلحة البيولوجية
اليابانية يفوق بكثير عدد ضحايا القنبلتين الذريتين.
ومن أشهر ما عرفته الحرب العالمية الثانية قيام اليابان
بتسميم ألف بئر ماء كان يشرب منها الصينين، فأصيب الكثير منهم بالكوليرا
والتيفوئيد. كما نشرت اليابان بطانيات وملابس ملوثة ببكتيريا الطاعون، وعملت على
نشر كميات ضخمة من الحشرات في المدن الصينية، مما أدى لوفاة ثلاثمئة ألف صيني.
وبعد الحرب العالمية الثانية، ظهرت مؤشرات متواترة عن
وجود استخدامات فتاكة للأسلحة البيولوجية، حيث وجهت اتهامات تتسم بالجدية من جانب
الصين والاتحاد السوفياتي وكوريا الشمالية، للولايات المتحدة الأمريكية بعد ثبوت
استخدامها لأسلحة كيميائية في الحرب ضد كوريا الشمالية، ونظرا لتنامي اللجوء إلى
استعمال الأسلحة البيولوجية وبعدما أن أصبحت سهلة التصنيع وغير مكلفة ومتاحة للجميع بدأ
المجتمع الدولي يفكر بجدية في وضع خطط لوقف السباق نحو التسلح البيولوجي توجت بتوقيع
معاهدة 1972 التي تحظر تطوير واستخدام الأسلحة البيولوجية، مع إلزام الدول بتدمير
مخزوناتها من هذه الأسلحة خلال تسعة أشهر من بعد مصادقتها على المعاهدة.
وطبعا ككل الاتفاقات فقد واجهت ثغرات عديدة، مثل افتقارها وسائل المراقبة و التصدي للخروقات، بالإضافة إلى عدم وضوح معنى البحوث لأسباب
دفاعية، والكميات المسموح بحيازتها لأغراض علمية، وصارت الدول تلجأ إلى الأسلحة
البيولوجية في تنفيذ الاغتيالات ضد المعارضين، كما باتت تحيط برامجها البيولوجية
بسرية كبيرة، لكن الوضع أصبح أفضل بكثير بالمقارنة مع ما كان عليه قبل توقيع اتفاق الحد من استعمال الأسلحة البيولوجية حيث وإن تم اللجوء إليه في عدة صراعات لاحقا.
