فيروس كورنا: بين
نظرية المؤامرة والصراع السياسي والتطور
منذ أن تحول وباء كورونا إلى جائحة عالمية سريعة الانتشار، بدأت الدراسات
تتناسل بشكل مكثف حول كيفية ظهور فيروس كورنا، بين من يدعي أن الفيروس تمت صناعته
في المختبرات العلمية، مقابل من يؤكد على أن الفيروسات ليست طارئة على الحياة
البيولوجية على الكرة الأرضية وأن فيروس كورونا في نسخته الحالية تطور بشكل طبيعي
شأنه جميع الجراثيم التي تسببت في أوبئة كارثية في أزمنة سابقة.
المقالات التي يمكن أن ندرجها في سياق نظرية المؤامرة كثيرة جدا لدرجة
تُصعب من مهمة تتبعها بالتدقيق، لكنه اجمالا يمكن تلخصيها في الاتجاهات
التالية: فعندما كان الوباء محصورا في الصين وشرق آسيا توجهت أصابع الاتهام نحو
الغرب عموما وأمريكا خصوصا، بدعوى أنها صنعت الفيروس ونشرته في الصين لكي تضعف
نفوذها وتحد من تطورها الاقتصادي. وبعد أن اجتاح الفيروس أوروبا بشكل كبير تم
اتهام هذه المرة شركات صناعة الأدوية العملاقة اعتقادا بأنها تملك اللقاح
المناسب للقضاء عليه لكنها ترغب في تفشيه لتحقق أكبر قدر ممكن من الأرباح، وعندما
انتشر الوباء في كل بقع العالم ولم يترك دولة إلا وانتشر فيها مع استثناءات قليلة،
ثم الغوص في أرشيف اليوتوب واستعادة العديدة من تصريحات لباحثين أشاروا في
السابق إلى احتمالات مؤكدة لتعرض الأرض لغزو فيروسي يقف وراءه الناشطين في قضايا
المناخ والدفاع عن البيئة، خصوصا بعدما تبين أن للجائحة انعكاسات جد إيجابية في
الحد من الاحتباس الحراري وخفض مستوى التلوث الهوائي وتراجع انبعاث الغازات
الساخنة. يتضح إذن أنه كلما تغيرت المعطيات الخاصة بالجائحة كلما وجد الخيال الخصب
لمن يتبنى نظرية المؤامرة جهة ما يحملها مسؤولية انتشار الفيروس.
لكن الترويج لمثل هذه الأفكار لم يتوقف عند حدود المواطن البسيط فـإننا نجد
صدى لمثل هذه التصورات عند كبار الساسة والباحثين، حيث أنه عندما كان الرئيس
الأمريكي يصر على تسمية فيروس كورونا والترويج له باسم الفيروس الصيني، في سلوك
يضرب عرض الحائط توصيات المجتمع العلمي الذي يلح على عدم تسمية الفيروسات
والأوبئة بمسميات تنسبها إلى منطقة جغرافية محددة، ردت الصين على هذا السلوك غير
الديبلوماسي، من خلال تغريدة
للمتحدث باسم خارجيتها تشاو ليجيان، يلمح فيها إلى كون الفيروس ظهر في أمريكا
ونقل إلى الصين عن طريق الجيش الأمريكي، الذي شاركت بوفد يمثلها في الألعاب
العسكرية العالمية، المنظم في مدينة ووهان، وقد اعتمد كدليل على كلامه تصريح لمدير
المركز الأمريكي للسيطرة والوقاية من الأمراض، يقول فيه أن عددا من الأمريكين الذي
كان يعقتد أنه وفتهم المنية بسب الأنفلوانز الموسمية اتضح انهم كانوا يحملون فيروس
كورونا.
من جهة ثانية نجد أن الرد الأمريكي لم يتأخر طويلا فمؤخرا نشرت، وكالة فوكس
نيوز عدة تقارير
تدين فيها بشكل صريح الصين وتؤكد على أن الفيروس انطلق من مختبر بووهان، ليس كسلاح
بيولوجي ولكن كجزء من مجاولة الصين لإثبات أن جهودها لتحديد الفيروسات ومكافحتها
مساوية أو أكبر من القدرات الأمريكية، وأن المريض رقم صفر كان يعمل بالمختبر ومن
خلاله انتقل إلى سكان المدينة، ومنذ صدور هذا التقرير والرئيس الأمريكي يضغط من
أجل إنجاز تحقيقات معمقة بخصوص الموضوع للتأكد من الأمر.
ولم يتوقف الأمر عند العامة والسياسين في الترويج لنظرية المؤامرة، بل
انخرط فيها كذلك بعض الباحثين الكبار، حيث أن الطبيب الفرنسي لوك مونتانييه الحاصل
على جائزة نوبل بخصوص مرض السيدا، صرح بأن "
فيروس كورونا ناتج عن محاولة فاشلة لانتاج لقاح ضد فيروس داء فقدان المناعة
المكتسبة" مستدلا بوجود عناصر من فيروس vih
متشابهة مع مقاطع من فيروس كورونا بالإضافة إلى عناصر من فيروس الملاريا"،
ملامحا إلى أن هذه الخصائص لا يمكن أن تتم بطريقة طبيعية. لكن نظريته لاقت
انتقادات ورفضا واسعا من طرف خبراء الأوبئة، فمعهد باستور الفرنسي من خلال الباحث
سيمون لوريير صرح أن " كلام مونتانيه لا معنى له إذ نجد هذه العناصر الصغيرة
في فيروسات أخرى من العائلة نفسها، تتشابه بخصائها الجنية، بينها فيروسات كورونا
أخرى في الطبيعة".
يتضح من خلال ما سبق أن المجتمع الدولي لا يعرف بالشكل الكافي فيروس كورونا
وهذ السبب هو العامل الذي يغذي نظريات المؤامرة التي تتعززها بواسطة الصراع
السياسي وتصريحات القادة التي تصنع خطابات للاستهلاك الإعلامي. لكن للعلم قول آخر،
ففيروسات كورونا عائلة كبيرة وخرائطه الجينية معروفة لدى الباحثين، كما أن فيروس srascov2 الجديد
والمسبب لمرض كوفيد 19، قريب جدا من فيروسات كورونا الموجودة في الطبيعة والتي
تبقى في جسد العديد من الحيوانات طبعا من ضمنها الخفافيش والثعابين وآكل
النمل الحرشفي، وأن تطور الفيروس الحالي تم من خلال عملية الانتقاء الطبيعي والتي
تتم بشكل دائم في الطبيعة، وان انتقاله إلى الانسان نتج عن طفرة تطورية لا تختلف
عن الطفرات التي وقعت لفيروسات كورونا السابقة التي اصابت الانسان، مثل MERS
الذي ظهر في السعودية وانتقل للإنسان من الجمال أو srascov1
من خلال قطط الزباد، هذا بالإضافة إلى كون انتشار الأوبئة الفيروسية ظاهرة
تاريخية طبيعية حدثت في الماضي ومؤكد أنها ستحدث في المستقبل لأن التطور هو الآلية
التي تحفظ استمرار الحياة على الكرة الأرضية.
