في نقد "الربيع العربي"
يقول الراحل محمد عابد الجابري " قد يحدث أن فكرة ما تدخل التاريخ بفعل
ظروف معينة لتقوم بدور معين. فإذا أصبح لها تاريخ اندفع الناس إلى البحث لها عن
"ماقبل تاريخـ"ـها" ، ولا يوجد اليوم مفهوم يحظى بالاستهلاك الإعلامي
و الرواج على مستوى علم الاجتماع السياسي وباقي العلوم الإنسانية أكثر من مفهوم الربيع
العربي.
والأكيد أن هذا المفهوم مستمد من الغرب حيث استعمل مصطلح الربيع للإشارة إلى
العديد من الحركات الثورية التي انطلقت في القارة العجوز في منتصف القرن التاسع عشر،
حيث أطلق علماء التاريخ هذا المصطلح على عام 1848 الذي انطلقت فيه سلسلة من الثورات
بدءا من صقلية فامتدت إلى فرنسا فتعممت على العديد من النواحي الأوروبية.
واستعيد استعمال هذا المفهوم لوصف حركة التحرر التي انطلقت في تشيكوسلوفاكيا
في يناير 1968 التي اشتهرت باسم ربيع براغ، الحركة التي رغم أنه تم وأدها من طرف النظام
السوفياتي البائد إلا أنه كان لها في العقدين المواليين بالغ الأثر في إعادة الهيكلة
للعديد من النظم السياسية التي كانت تشكل ما سمي بحلف وارسو وامتد تأثيرها إلى بعض
دول اروبا الغربية، حيث تسببت في خلق أزمة وعي بضرورة الإصلاح وأثرت في المخيال الثقافي
العالمي، وكانت أحداث ماي 1968 في فرنسا من بعض نتائجها.
وقياسا على ذلك روجت العديد من الأوساط الإعلامية (وحتى الأكاديمية) لمفهوم
الربيع بشكل كبير وهي تصف الحراك المجتمعي الذي خلخل العديد من أنظمة الحكم العربية
وأطاح بحكامها وغير من بنايتها لكن دون أن يحقق تطلعات الشعوب العربية الرامية إلى
تسييد القانون وفرض قواعد اللعبة الديمقراطية وما تلزمه من ضروريات احترام حقوق الإنسان.
ومن الواضح اليوم، ونحن على مسافة زمنية تسمح لنا بتقييم ما حدث، أن وصف الحراك
العربي الذي انطلق مع ثورة الياسمين بالربيع جانبه التوفيق وغلب عليه التسرع، فقد كان
يعبر عن حلم مأمول لحشد الدعم وتجيش عواطف الجماهير مروج من طرف فاعلين تاريخيين متواطئين
في ديالكتيك اجتماعي وتدافع سياسي، أكثر ما كان تشخيصا علميا عبر عن واقع تاريخي استقر
وتحقق واقعيا.
فما حدث في العالم العربي لم يساهم "باستثناء تونس والمغرب بدرجة أقل بكثير"
سوى في إعادة انتاج أنظمة شمولية وشرعنة العنف وإنعاش الحركات الدينية المتطرفة والمتشددة
بأديباتها المنتمية إلى ما قبل القرون الوسطى.
.
.

لا يسمح بالتعليقات الجديدة.