هو شاب نحيف في أوائل عقده الرابع، يتردد على المقهى صباح مساء ويدخن بشراهة
سجائر من النوع الفاخر بمعدل علبة في اليوم، يكفي ثمنها لوجبة كاملة تؤثث مائدة بعض
الأسر المغربية، تؤمن له حرفته مدخولا معقولا لا يتوفر للعديد من الشباب مثله الذين
توقف بهم قطار التمدرس عند حدود شهادة البكالوريا، ما يحصل عليه من مدخول يدعم به أسرته
ويمكنه من الاستجابة لحاجياته اليومية وفتح حساب بنكي ويسمح له نسبيا ببعض الترف من
الحين لآخر كالسفر من أجل تبديل أجواء الكآبة والقنوط وتبديد الإحساس بالوحدة والعزلة
باعتباره يعيش بعيدا عن أسرته.
بعضا ممن يرونه من الخارج يزعمون أنه بالمقارنة مع وضعيتهم الاجتماعية فهو يعيش
حياة مترفة زاهية، لكنك إذا ما عاشرته عن قرب سرعان ما سترمق خلف مقلتيه الغائرتين
تعابير الحزن والأسى والألم، يكشف لك عن عللها حديثه المفعم بأساليب النحيب، وإذا ما
استرسل في الكلام فإنه لا يتوقف عن التذمر والتشكي ويقول: "أن الحياة التي يعيشها
أبعد من أن توفر له السعادة أو الإحساس بالرضى والطمأنينة"، مما قد يدفعك لترى
تلميحاته مبعثا للتعجب والتساؤل عن معنى السعادة وكيف لها أن تتحقق؟ وقد تشتد أمام
ناظريك حدة الاستفهام وأنت تصادف من هم أدنى منه اجتماعيا والبسمة لا تفارق أساريرهم
ولا تظهر علامات الكآبة على محياهم
.
في واقع الأمر حالة هذا الشاب ليست بالحالة الشاذة المتفردة بل هو واحد من هؤلاء
الذين يتعرضون لنوع من العنف غير مرئي نمط أذواقهم وفق أمثلة معيشية لا يصادفونها في
واقعهم المعيشي فزرع البؤس في أفئدتهم، وفوت عليهم فرص الاحتفال والاستمتاع بما يملكون
من موارد وامكانيات وتسبب لهم في اهدار العمر سعيا وراء نماذج حياتية مصطنعة لا واقعية
.
هذا العنف يقدم اقتراحات عن قوالب للحياة السعيدة لا تتحقق إلا بسبيل أوحد وبعد
امتلاك العديد من المقومات المحددة والنمطية والتي يتم تسويقها من خلال العديد من وسائل
الترويج الإعلامية والمتواردة علينا من كل ناحية بفعل الاجتياح المفروض من قبل العولمة
التي تتغيا التأثير في عقول الناس لخلق التغيير فيهم ودفعهم بالتالي للإقبال بنهم على
الاستهلاك، وحين يتعذر على المرء إعادة انتاج الأنماط الاستهلاكية المقترحة عليه تتسرب
إلى نفسيته أحاسيس القلق والتشظي والشعور بالدونية والعجز
.
وفي هذا الصدد قال محمد عابد الجابري: أن"العولمة في الميدان الإعلامي
تقوم بهذا الدور، دور القولبة، قولبة الوعي وبالتالي السلوك" وأضاف أن"
"الإعلام الخبري" كنشرات الأخبار والتعاليق والحوارات والأفلام الوثائقية
وغيرها من الوسائل والمنتجات تقوم بعملية التكييف الإيديولوجي لصالح الجانب السياسي
للعولمة ، و"الإعلام التجاري" أو الإشهار الذي أصبح تقنية عالية، عظيمة التأثير
في الوعي واللاوعي، في الفكر والسلوك والعادات، يقوم بالتكييف الوجداني والسلوكي لصالح
الجانب الاقتصادي فيها" وينبه على أن الفئات التي" تمثل الأغلبية الغالبة
عدديا المغلوبة واقعيا فهي تعاني من العسر.

لا يسمح بالتعليقات الجديدة.