عند وفاة الشاعر الكبير محمود درويش تهافت العديد من رؤساء و قادة الدول العربية
على حضور جنازته ، وقد ألقى بعضا منهم خطبا لنعيه ، تعدد خصاله و تشيد بجودة شعره و
تفرده ، و بعضا منهم أبكاه كأنه رزئ فيه ، مما شكل مشهدا غنيا بالمفارقات الصارخة ؛
فهؤلاء القادة طيلة حياتهم ، المتامهية مع
فترة حكمهم، لم يفلحوا في شيء أكثر من فلاحهم في قهر الإبداع و التنكيل بالمبدعين،
و التضييق على كل المنافذ التي ينبثق منها الإنتاج الخلاق في شتى الميادين، و الوضعية
الحضارية الراهنة في جل الدول العربية ( الغنية و الفقيرة) ملأى بالدلائل التي تؤشر
على بؤسنا الثقافي المرتبط بسوء تدبيرهم لبلدانهم.
لذلك فهم عندما حضروا جنازة الشاعر الكبير، لم يكن غرضهم مرتبطا بتقديرهم و
حبهم له، لأنهم طالما نبذوه و كرهوه إبان حياته، فقد كان صوته أشبه بالشوكة التي تخز
ضمائرهم و تقض مضجعهم، كما أن الانتصار للشعر ليست من الأمور التي قد تشغل بالهم، فذلك
آخر أمر قد يهتمون به ، و إذا ما فعلوا ذلك فهم يلتفتون إليه فقط عندما يمدحهم (الشعر)
و يصفهم بالحكمة و الفطنة و يقدمهم كقادة تاريخين
دون أن يقوموا بأي عمل تاريخي، فيغدقون عليه الأموال و يجزلون له العطاء و ييسرون له
الأبواق . وفاة الشاعر الكبير إذن بالنسبة لهم كانت مناسبة يجب استغلالها قصد تسويق
أنفسهم كرعاة للثقافة التي يحاربونها بقوة الحديد و النار.
و يظهر أن الموت بالنسبة للعديد من الساسة
في جميع أرجاء المعمور يمثل لحظة للاستثمار لا أخلاقي مثير للاشمئزاز و القرف ، لتلميع الصورة و تسويقها
للآخر بألوان قوس قزح ؛ فما حدث في جنازة محمود درويش تكرر بشكل أوسع ، و على نطاق
كوني هذه المرة ، بعيد وفاة نيلسون مانديلا الرجل الاستثناء ، معلم القرن العشرين ،
الذي لم يتميز فقط بقدرته على النضال و الصبر و الثبات على الموقف و الاصطفاف إلى جانب
المقهورين و الضعفاء بقدر ما تميز بتلك القدرة الخارقة على الصفح و التأسيس لثقافة
التسامح، و هي حالة من السمو و الرقي الأخلاقي لم تتحقق تاريخيا إلا للأنبياء ، لذلك
فمن وصفه بأنه رجل من طينتهم كان موفقا جدا .
وفاة "ماديبا" إذن- كما ينعته
أهل جنوب إفريقيا- اجتذبت عدد غير قليل من القادة الذين نظروها فرصة للانتهاز قصد الظهور
بمظهر المنافح عن حقوق الإنسان و النابذ للعنصرية مع العلم أن الكثيرين منهم ممن يستعبدون
شعوبهم و يكرسون أوضاع التميز بين طبقاته ، وتاريخهم ملطخ بدماء الأبرياء و الضعفاء
الذين عذبوهم و نكلوا بهم و احتجزوهم في السجون و الأقبية .
السياسة إذن بالنسبة للعديد من القادة لا يتسع فيها المجال للأخلاق والمبادئ
والشرف ولا حتى توقير الموتى، فأي سلوك قادر على استدامة " استبدادهم بالأمر الغالب"
قابل للتوظيف والاستغلال.
.
لا يسمح بالتعليقات الجديدة.