وجد صديقي
الذي مل من ان تهدر كرامته مرارا في وسائل النقل العمومي نفسه مضطرا لشراء سيارة تدعمه
في قضاء مآربه الخاصة، لكنه رغم توفره على رخصة للسياقة منذ عدة سنوات فإنه لا يمتلك
المهارات الضرورية التي من شأنها أن تسعفه للاستجابة لمتطلبات السير والجولان في الشوارع
والأزقة، فاندفع غير مختار للمجازفة وقيادة السيارة وتحسين قدراته من خلال الممارسة
الفعلية بسبب ملحاحية الظروف.
في بعض الأحايين كنت أرافقه في مشاوريه اليومية لعلي أسعفه ببعض النصح والتوجيه
والتخفيف من حدة ضغطه وتوثره، ولأن صديقي لا يحسن السياقة بعد فقد ارتأى أن يلصق على
مؤخرة سيارته" بلاكة 90 " ، لعلها تمده ببعض التفهم من طرف باقي السائقين
الذين يتقاسمون معه حق استعمال الطريق، إلا أن هذه الفكرة كانت لها نتائج عكسية تماما،
فمع أقل هفوة يرتكبها كان يحصل على وابل من السب والشتم وثلة من التعليقات التهكمية،
من قبيل " طلقنا ياداك لبهيمة" أو" الله ينعل لي عطاك لبرمي وعلم باك
السوﯕان" وغيرها كثير...أما فيما يخص تنبيهه وتوبيخه "بالكلاكسون" فكأن استعماله يطرب السائقين
ويشنف أسماعهم، هذه السلوكيات غالبا ما كانت تدفع صديقي للارتباك وتأزيم حركة المرور
بشكل أعمق وتعطيل انسيابية السير لفترة أطول، الوضع الذي كان من الممكن تفاديه لو تم
التعامل معه بالقليل من الصبر والتسامح، مع العلم أن جميع السائقين مروا بمثل هذه المرحلة،
وهم على يقين أنهم مدعون لتسهيل مأمورية حامل " بلاكة 90" كما تلقنوا ذلك
في مراكز التكوين؛ لا غرابة إذن فإن يحتل المغرب مراكز متقدمة على مستوى عدد القتلى
بسبب حوادث السير.
هذه التجربة البسيطة والقصيرة كانت فرصة لإعمال النظر في أخلاقيات المجتمع المغربي،
الذي كما يتضح لا يتوفر بعد على الأطر المرجعية الفكرية الضرورية وأنماط السلوك اللازمة
المساعدة على تطويره وتنميته، لذلك فالعالم المصري أحمد زويل الحاصل على جائزة نوبل
للفيزياء كان موفق جدا عندما قال في قولة شهيرة:
أن" الأوروبيين ليسوا أذكى منا ولكنهم يقفون ويدعمون الفاشل حتى ينجح
... أما نحن فنحارب الناجح حتى يفشل"، هكذا نحن إذن شعب "حـﯕار"
متقن لفنون التحقير والإذلال، فرغم أن خطاباتنا تسمنا بأسمى القيم الأخلاقية فإن سلوكياتنا
لازالت لا تستسيغ بعض المفاهيم التأصيلية والمؤسسة للزحف في اتجاه الرقي.
إن التسامح ليس قيمة أخلاقية سامية فقط بل هو قيمة ذات بعد استراتيجي حاسم ومؤثر
في مواقف النزاع والتدافع، ولعل تجربة الراحل نيلسون مانديلا نموذج يوضح الفرص المهمة
التي يمنحها التسامح عندما يتم توظيفه بذكاء، فأهم ما جعل الزعيم الجنوب إفريقي أيقونة
كونية ورمزا دوليا هو نجاحه في تنفيذ مشروع للمصالحة مؤسس على التسامح فوت على جنوب
إفريقيا ويلات الحروب الأهلية الطاحنة التي كان من الممكن أن تلتهم الأخضر واليابس،
وكان ذلك ضد رغبة شريحة عريضة من أنصاره الذين ضغطوا من أجل أن تتم محاكمة المسؤولين
على نظام التمييز العنصري، لكن خطابات مانديلا مكنته من نزع الحقد والغل من قلوب الضحايا
وإقناعهم بضرورة الاهتداء إلى خيارات العفو والغفران والتسامح ونسيان عذاباتهم وآلامهم
والسمو فوق جراحهم وأوجاعهم ونوازعهم النفسية.
إن حالة
جنوب إفريقيا توضح أن التسامح ليس إيثارا أو تنازلا عن حق فقط بقدر ما هو مفهوم يرتقي
إلى مستوى الدهاء الاستراتيجي

لا يسمح بالتعليقات الجديدة.