مقالات مختارة

حبة الطماطم التي قتلت ديناصور



حبة الطماطم التي قتلت ديناصور


لا أعرف متى ولا من أطلق عليه هذا الاسم، ولا كيف حل بقريتنا، وكل ما أذكره أن الجميع يناديه به، وحتى بعدما عرفت بأنه هناك كائنات تسمى به فلم استطع تلمس وجه العلاقة التي تربطه بها، فديناصور ،على عكس ما توحي به هيئته، جسم ضئيل يكاد يكون كثلة مهملة، يضع خنصره في فيه بشكل دائم، فيتدفق اللعاب منه راسما عدة خرائط على ذراعه، تزيدها كثافة التراب المتناثر في الأجواء ما ينقصها من تشكيلات، ملابسه أسمال مرقعة تستر بضعة أجزاء من جسمه وباقيها مكشوف للعيان،كلامه توتأة غير واضحة، وتعبيراته غير مفهومة، يجول بين بيوتات القرية كيفما أراد، يدلف إليها كيفما اتفق، يطلق العينان لحاسة شمه ويجعلها

دليله، أينما تحسست طعما شهيا قادته نحوه، فيندفع نحو مصدره بلهفة كبيرة، ويجالس أهله ويشاركهم المجلس والطعام.

ألف سكان القرية حضوره الطاغي بينهم، اعتادوا على وجوده إلى درجة إنكاره، فلا يتأففون منه حتى في مواقفهم الأكثر حميمية، ولا يجدون ضررا في سرد مغامرتهم السرية أو عقد صفقاتهم، حتى أن الشاب لا يجد حرجا في مواعدة خليلته، والرجل قد يداعب زوجته، والنسوة قد لا يتورعن عن كشف محاسنهن، دون الإكثرات لحضور ديناصور.
  
لكنه كان لديناصور نقطة ضعف لا يقوى على دفعها، إذا أن حبه للطماطم يتسبب له في الكثير من المآسي، فهو لا يقوى على مقاومة جاذبيتها، فيعبث بالحقول بحثا عنها، فما أن يجدها حتى يقوم بأكلها في حينها، فيلتهمها بكميات كبيرة، فيظل يتقلب ويتوجع من فرط ما تناول منها فوق طاقته وقدرته، فيضطر بعض شباب القرية إلى جعله يعب محاليل بعض الأعشاب ليتخلص بما في معدته، ورغم الألم التي تمزق أحشاءه فهو لا يتردد في إعادة الكرة كلما أتيحت له الفرصة، وكثيرا ما وجد مغشيا عليه في وسط الزرع.



أول كلمة ذات معنى تلفظ بها ديناصور كانت آخر ما سمع منه، ذكرى ذلك اليوم لا زالت طرية في مخيلتي، كنا جلوس في مقهى القرية، كل منا مشغول بشأن ما أو منهمك في حديث سمر مع خلانه، حتى مر بالقرب منا بضعة أطفال مهرولين ويحملون بضعة حبات من الطماطم، وبعض هنيهة حل بيننا ديناصور يضرب كفا بكف ويتمرغ في الأرض ويصرخ بهسترية، ثم ينهض ويجري في كل مكان، ويبكي بصوت مسموع ويقول " طماطمي ! طماطمي !"، ذهل كل من كان في المقهى وامتقع وجه بضعتهم، وتركز الحديث بإجماع الجالسين حول نطق ديناصور بكلمة طماطم من عدمها، أكد بعضهم بإلحاح أنه سمعها وأن ديناصور ربما يعرف الكلام وأنه مجرد ممثل بارع ، بينما عبر الباقين عن علامات الدهشة والاستغراب وأكدوا استحالة ذلك.



في اليوم الموالي أذاع مكبر صوت المسجد خبر وفاة ديناصور وأنه ستقام صلاة الجنازة عليه ويدفن بمقبرة القرية بعدما وجد مقتولا مفلوق الرأس بأداة حادة.....
تعليقات
ليست هناك تعليقات

    لا يسمح بالتعليقات الجديدة.




    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -