مقالات مختارة

الانتخابات والديمقراطية




الانتخابات والديمقراطية

على الرغم من أن معظم دول المعمور تتيح الفرصة لمواطنيها من أجل اختيار ممثليها وحكامها عبر آلية الاقتراع، فإن القليل منها توصف بأنها دول ديمقراطية، وتظل الدول الأخرى موسومة بالتسلطية والشمولية والديكتاتورية حتى وإن كانت تشهد انتخابات دورية، وذلك لاعتبارها لا تلجأ إليها إلا من أجل ٍضمان الاستمرارية على كرسي الحكم وتجديد الشرعية أمام الجماهير والتخفيف من حدة الضغوط المطالبة بالإصلاح واحترام حقوق الإنسان في الداخل والخارج. إذ طوّرت أدوات وأساليب للتلاعب في عملية الانتخابات بغرض تحقيق مقاصد غير تلك التي تُرجى من العملية الانتخابية، وإذا كان الأمر كذلك فإنه من البديهي أن نتساءل عن حدود العلاقة بين الديمقراطية والانتخابات.


غني عن البيان أن الانتخابات تشكل العمود الفقري والدعامة الضرورية للنظام الديمقراطي الحديث، وهي أداة تمكن المحكومين من اختيار حكامهم ومحاسبتهم وتمكينهم من دعم قاعدي من أجل ممارسة السلطة باسمهم، كما تجعل المواطن يشارك في صنع القرار فيما يتعلق بتسيير الشأن العام عبر ممثليه في المؤسسات المنتخبة بكل نزاهة وحرية، والتي من المفروض أن تصبح المصدر الرئيسي والفعلي المسير لشؤون الدولة والمجتمع. والانتخابات آلية للتحكيم بين الأفكار والمعتقدات والاختيارات الفردية والجماعية، ووسيلة للاعتراف بالاختلاف وتدبيره في إطار يسمح باستيعاب التناقضات وتصريفها بشكل سلمي يتوافق حوله الجميع. وهي آلية بيداغوجية للتنشئة السياسية تجعل المواطن يعتاد على السلوك الديمقراطي كأسلوب في الحياة. لكن هذا لا يعني أنها تساوي الديمقراطية، بل هي ضرورية لها فقط، بمعنى أنها ليست سوى عنصر مؤثر داخل نسق عام يشكل أسس البناء الديمقراطي ، ولا يمكن للانتخابات أن تقود نحو الديمقراطية إلا إذا كانت مسبوقة بالعديد من  عناصر النسق الأساسية:


أولها وجود نظام أساسي ديمقراطي (دستور) يضمن استقلالية السلط الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية) عن بعضها البعض ويحميها من تدخل أي مرجعية غير منتخبة سواء كانت دينية أو سياسية أو عسكرية ويمكنها من هوامش حقيقية لممارسة سلطاتها، ويضمن ممارسة العديد من الحريات كحرية الحصول على المعلومات من مصادر متعددة  وحرية التعبير وحرية التنظيم وتشكيل مؤسسات مستقلة  ويكفل لجميع الأطروحات والمشاريع الفكرية حق الانتظام في هيئات سياسية، بالإضافة إلى تفاصيل أخرى ..


ثانيها وجود أحزاب قوية لها قدرة إنتاج خطابات سياسية متماسكة وعميقة مبنية على أسس معرفية دقيقة قادرة على تسطير برامج سياسية واقعية تستجيب لحاجيات المواطن الآنية و المستقبلية و قابلة للتطبيق ولها امتدادات حقيقية بين الأوساط الشعبية وتتوفر على مناضلين ينتظمون داخل هياكلها على أساس الولاء الأيديولوجي لأديباتها السياسية. 


وثالثها وجود ناخب يتوفر على الحد الأدنى من آليات الفكر النقدي وقدرات الاختيار العقلاني والفرز بين المرشحين على أساس المروءة والكفاءة والفاعلية والقدرة على الإبداع والخلق.

ورابعها ضرورة التوفر على مؤسسات إعلامية مستقلة وحرة وبالأخص مهنية واحترافية.

وبالطبع لا مجال للحديث عن أي ديمقراطية في ظل وجود وضع سياسي واقتصادي هش بعيد عن الاستقرار.

بناء على ما أشير إليه أعلاه فإن أي اختلال على مستوى عناصر النسق يقود إلى وضع لا ديمقراطي حتى وإن تم التوفر على انتخابات حرة ونزيهة .



تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -