مقالات مختارة

لدارجة و الفصحى في المنظومة التربوية نحو تصحيح بعض المغالطات





الدارجة و الفصحى في المنظومة التربوية
نحو تصحيح بعض المغالطات

إذا ما جمعتك الصدف بهشام وتبادلت معه بعضا من أطراف الحديث، فسرعان ما ستستشف أنه من أشد المدافعين عن اللسان العربي الفصيح، بل إن دفاعه عنه يقوده إلى استعمال العنف اللفظي، كوسيلة للتعبير عن أرائه؛ ففي أحايين كثيرة  يلجأ  إلى الصراخ، وتحريك يديه في كل الاتجاهات، كما أن وجنتيه تحمران وودجيه ينتفخان. وكلما طرحت قضية الإشكال اللغوي في المغرب، إلا وألفيته أول من يشحذ همته للتعبير عن رأيه، شارحا أهمية اللغة العربية موضحا طابعها المقدس. فهو يرى أنها تتعرض للعدوان، ويفسر ذلك بنظرية، يتقاسمها معه الكثيرون، مفادها أن الدين الإسلامي يتعرض لمؤامرة أزلية دنيئة، من طرف اليهود والنصارى، مستشهدا بالآية الكريمة "ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم". المؤامرة التي تستعمل أذنابها من بني جلدتنا، وتسعى إلى إضعاف ديننا، من خلال تقويض لغته و القضاء عليها.


وبصرف النظر عن مدى يقينية نظرية المؤامرة من عدمها، فإنك قد تتعجب من هشام لو عرفت أنه رجل تعليم بالمدرسة الابتدائية، وأنه حين يكون منكبا على تدريس إحدى دروس التحكم اللغوي باللغة العربية فإنه لا يتورع عن أن يستعمل اللهجة الدارجة. هشام إذ يعمل بهذه الطريقة، لا يعي أنه لا يفعل شيئا آخر أكثر من تأخير تمكن المتعلمين من النسق اللغوي الفصيح، لأننا عندما نحاول تعليم الطفل نسقا لغويا معينا متوسلين بنسق لغوي آخر، فإننا في الواقع نعقد الأمور أمامه أكثر مما نبسطها له، لأن الطفل مدعو في سنواته الأولى بالمدرسة إلى تعلم اللغة العربية على النحو الذي تعلم به لغته الأم بشكل ضمني حتى يتمكن من استدماجها بتلقائية في بنيته العقلية اللاشعورية. وذلك لا يمكن أن يتم إلا بالاستثمار الأمثل لمختلف الوضعيات والمواقف التي  يتيحها فضاء الفصل، مما يمكن من التواصل الشفهي بالفصحى بعفوية أو بصيغ مخطط لها بكل دقة مسبقا. فاللغة تكتسب بالاحتكاك والمران المستمرين وكثرة الاستعمال. ويكفي لكي تكتشف ذلك أن تزور ساحة جامع لفنا بمراكش، لتلحظ أن تجار هذه الساحة يتحدثون أكثر من لغة، دون أن يسبق لهم تعلمها في المدرسة ، لأنهم اكتسبوها من خلال احتكاكهم بالأجانب.


إن الهدف من سرد حالة الأستاذ هشام غرضان : الأول، ويتعلق بالبعض ممن يدافعون عن اللغة العربية، دون أن يقدموا لها على المستوى العملي ما يساعد على إفشائها وتطويرها والرقي بها  أو إظهار جوانبها المشرقة التي تتماشى مع روح العصر، بل على العكس من ذلك تماما، تجدهم - بوعي أو بدونه - ممن يكرسون تقهقرها وانحطاطها. وعندما يبررون أهميتها، فهم يستندون في الأغلب على مبررات وجدانية نرجسية ذات طبيعة خطابية خالصة تمجد الذات العربية وتحتفي بالأمجاد التاريخية، وتتعلق بالماضي وتسعى إلى إعادة إنتاج أوجهه الفكرية التقليدانية  المذكية للتخلف والانحطاط والجمود. كما أنهم يستكينون إلى لعب دور الضحية؛  فيربطون التدني بتدخل الآخر الغازي، وبتبني نظرية المؤامرة، رافعين عن الذات مسؤولياتها في تعميق الاندحار و هدر الفرص المتاحة للرقي.


ويرتبط الغرض الثاني بما يحدث داخل الفصول الدراسية. فالوضعية الواردة أعلاه ليست حالة متفردة أو معزولة. إذ ليس من باب المغالاة تعميمها على المدرسة المغربية جلها. فالواقع يؤكد أن اللغة العربية من حيث الممارسة الفعلية داخل الفصول الدراسية ليست لغة التدريس، على الرغم من التوجيهات البيداغوجية والمذكرات الإدارية التي تنص على ضرورة التدريس بها. وهذا من أهم أسباب ضعف التحكم اللغوي عندنا، وهو المعطى الذي قفزت عليه ندوة جمعية " زاكورة "  ولم تأخذه بعين الاعتبار. فالواضح إذن أن " خبراءها "  لم يؤسسوا توصياتهم على ما هو كائن على أرض الواقع، كما أنهم  أهملوا أن المغرب راكم في مدة تتجاوز نصف قرن تجربة إصلاحية مهمة لا يمكن تجاوزها والبدء من الصفر. فمعلوم أن المغرب كان قد أرسى في نهاية القرن 20 مشروعا مجتمعيا للنهوض بالمنظومة  التربوية سمي " الميثاق الوطني للتربية و التكوين "، وهو الذي جعل من " اكتساب المعارف والمهارات التي تمكن من إدراك اللغة العربية " من بين أهم وظائف المدرسة المغربية. كما أن الميثاق أرسى العديد من الدعامات والمرتكزات والمبادئ الهامة التي لو تم تطبيقها كما ينبغي لكان بإمكان المدرسة المغربية أن تفي بتعهداتها، إنما للأسف ظل العديد من مرتكزات الميثاق حبرا على ورق فلم يجد سبيلا للأجرأة الواقعية، مما يجعل كل حديث عن فشل الميثاق مجانبا الصواب مادمنا لم نعمل على تطبيقه على أرض الواقع كما هو مطلوب. لذلك فنحن اليوم لسنا في حاجة إلى سن تعهدات جديدة للمدرسة بقدر ما نحتاج إلى توطين الثغرات التي تمنع من تنزيل روح الميثاق على أرض الواقع.


وفي تقديري فإن المعوقات التي تحول دون وقف ترهل  مردودية المدرسة المغربية مرتبطة بشكل كبير بأسباب تقبع بعيدا عن المنظومة التربوية، ولعل أهمها هو استعمالها كأداة للتحكم، ووسيلة للاستقطاب بين الفرقاء السياسيين، كما أنها تعد أحد ميادين الصراع أو التحالف بين المال و السلطة. وبالتالي فلا يمكن للمدرسة المغربية أن تفي بتطلعاتها إلا إذا تمكن المغرب من تحقيق المزيد من المكتسبات الديمقراطية وحارب الفساد و استطاع التطبيع مع مقتضيات الحكامة الرشيدة


تعليقات
ليست هناك تعليقات

    لا يسمح بالتعليقات الجديدة.




    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -