رغم أني كنت أول من دلف إلى مكتب المستشار البنكي إلا أني آثرت أن أفسح لها المجال لتعرض له طلبها أولا، بل فاسحا لنفسي
هنيهات ثمينة، لعلها تسعف بصري في التهام أكبر قدر ممكن من جمالها الباذخ، وتبعث الدفء
في قلب لم أعد أذكر آخر مرة كان فيها بإمكانه النبض، فقد تكلس ولُفَّ منذ زمن بعيد
في جريب من جليد، لذلك انشغلت باستراق النظر إليها، مسيخا السمع لكل ما ينثال من ثغرها
الشهي، إلى أن ظفرت بمعلومة اهتز لها فؤادي، جعلتني أتخيلني أكفؤ عملاء الجاسوسية،
فدونتها بأصابيع متعجلة ومرتعشة على هاتفي اللوحي
.
"مرحبَ اسيدي، واش حب الخاطر؟ كاين منقضيو؟"
بهذه الصيغة، وهي تهم بالمغادرة،
وبرنة أقرب إلى السخرية والتهكم، قاطع البنكي الملعون، شرود بصري المتسمر متأملا جسدها
الممشوق، بدى صوته راعدا ونشازا، انتشلني من لحظة كشف صوفية لذيذة، وبدت كلماته تندفع
إلى منافذ سمعي وكأنها ليست بلغة أهل الأرض المعهودة، كم كرهته في هذا اليوم!؟ إنه
من الرجال اللذين تخونهم زوجاتهم، قطعا تخونه هو أيضا زوجته، عرفت ذلك من أرنبة أنفه
المفلطح، كم تمنيت لو انهار السقف فوقه ليهشم رأسه ذا شكل الكمثرى، لكنت حينها دست
بقدمي أشلاء دماغه المتناثرة على الأرض قطعة قطعة، تبا له فقد أبطل مفعول خذر مسكر
بدأ يدب في أنسجتي العضلية، لكني رفقا به ورفقا بنفسي هرولت مطاردا غادتي الساحرة.
خارج البنك غصة الساحة أمامه بالمارة،
فلم أتبين أثرها بين مئات الوجوه الشاردة، اختفت في لمح البصر وكأن الأرض انشقت وابتلعتها،
" يا إلهي كم هي حيلتي قليلة؟»، جثمت حائرا، وبعد تفكير مقتضب وفي الواقع دونه،
تلهفت في اصطياد سيارة أجرة لعلها تقلني بأسرع ما يمكن إلى منزلي، فلا واحدة اشفقت
لحالي وتوقفت لأجلي، واضح أن الكل في هذا اليوم متآمر ضدي، البنكي المشؤوم، والمارة
المتكدسون، وسيارات الأجرة المتسارعة، وبالأخص هي، التي لم تلحظ ولهي وشغفي بها،
"لكن هيهات هيهات، معامن، أنا ممفاكش ليومَ"، لماذا أملك قدمين أستطيع الركض
بهما؟
لاهثا ومتعرقا ولجت غرفتي، شغلت
الحاسوب وفتحت حسابي على الفيس، أخرجت هاتفي وبحث فيه عن كنزي الثمين، اسمها، (هديل
بن ...)، بتهجئته كما هي مدونة في بطاقتها الوطنية، كتبته في مكان البحث، ونقرت على
الفأرة بشغف يستجدي المارد الأزرق بالجود، وبالفعل فقد أكرمني ولم يرد سؤالي، أم هي
فلم تكن بقدر جوده وكرمه، فإذا كان قد اظهر لي حسابها الذي لا تخطئه المقل، فإنها لا
تسمح لغير أصدقائها بتصفحه، اللهم تأمل صورتها الصغيرة واليتيمة وغير القابلة للتحميل.
ضللت باقية اليوم بين الفينة والأخرى
أتلصص على حسابها، ممكن" يهديها الله" وتغير من إعداداته، فأصول وأجول فيه
وأكتشفه وما يحتويه من أسرار، لكن للأسف "مهدهاش الله". تسلحت بعدها بعزيمة
الفاتحين واتخذت قرارا تاريخيا، أرسلت لها طلب الصداقة، نعم لقد فعلتها! ولما ستنقصني
الجرأة لأفعلها!؟ ما علينا المهم الآن هو فاعلية المبادرة ونتيجتها.
وكم كانت فرحتي وسعادتي (وكل الأفعال التي تحمل هذا المعنى) كبيرة، حينما اكتشفت أنها قبلت صداقتي، هلم بنا
إذن، بحثا وتصفحا وتدقيقا فيما قد تجود به علينا صفحتها من أخبار، لكن صدقا ما تكتنزه
من تفاصيل أدهشتني، جمدتني فاغرا فيهي، فقد توقعت أن تكون غريبة ومجرد عابرة، لكنها
قريبة جدا لدرجة تفوق كل المصادفات المعقولة، تعمل نفس عملي، وتشاركني نفس الحي، ودرست
في نفس المؤسسات التي مررت منها.
هذه المرة تبا لي: هل أنا أعمى؟
كيف يحق لي أن أتجاهل كل هذا الكرم الجمالي الباذخ؟ أين كنت ذهلا وغافلا عنه؟
يا إلهي! بعضا من الرحمة! أيقونتها
الخضراء مشتعلة، إنها متصلة بالفيس بوك بواسطة الهاتف، هذا القلب الذي ظل متكلسا سيتوقف
الآن من فرط الخفقان، هذه المرة لم امتلك جرأة المبادرة بالاتصال، تجاهلتها في الافتراضي
كما تجاهلتها عن غير قصد في الواقع، شغلْتُني بمعرفة المزيد عنها، لكني ربما لم يكن
من المفترض أن أغوص بعيدا في البحث، إنها خائنة، تخونني أنا بالذات، تخونني حتى قبل
أن تعرفني، وتخونني بكل إقدام مع زوجها، كيف لها أن تفعل بي ذلك؟ كيف لها أن تمتلك
كل هذا الصفاقة وتعلن للجميع خيانتها؟
في الواقع تلاشت خيبتي في ثواني،
ربما لأن الممنوع مرغوب، وأن السعادة لا تكتمل إلا مع القليل من تأنيب الضمير، كما
أنه في حسابها هناك شيء مناقض تماما لما تعلنه بخصوص الزواج، في صورها بالأخص، إنها
تنشر صورا عنها وهي في الأرض وفي السماء، في البحر وفي اليابسة، بلباس النوم وبلباس
السمر، واقفة ومضطجعة، مع القطط ومع الكلاب، ولا أثر لأي رجل في صورها، إنها كاذبة
إذن لا يوجد رجل في حياتها، أو على الأرجح لا تحبه، إنها بالفعل كذلك، إنها تريد الانفصال،
حمدا لله أني اكتشفت ذلك مبكرا وأني أمتلك ملكة تحليل الصور، قلت لي "سأفعل ذلك
مرة أخرى لعلي استقرئ معلومات جديدة".
انهمكت في تحليل الصور وتدوين ملاحظاتي،
إلى أن حصل ما لم يكن في الحسبان، لقد ظهر في أسفل الشاشة مستطيل أزرق، يحمل اسم (hadil ben…)، لقد بادرت بالاتصال، أفزعني الأمر، قلبي زاد من شدة الخفقان وسرعته،
ودبت الرعشة في أناملي، واضح أن ما يحدث يفوق قدرتي على الاحتمال، التقطت الفأرة، وحذفتها
من قائمة أصدقائي، أطفأت الحاسوب، وخلدت إلى النوم.
