الرسائل
" لا تهرب وافعل ما شئت"، كانت آخر جملة جادت
بها علي قريحته، قالها لي ومحاياه ينذر بدنو ساعته، عيناه الغائرتان في تجويفات جلد
مترهل اسلمتا الروح قبله بأسابيع عديدة، وأبتا إلا أن تستوكفا الوصب دمعا حارقا، منذ
تلك اللحظة وهو يحمل جسدا يتلاشى في ضمور، وكنت الوحيد الذي يسر له بأوجاع تمتص عمره
بتأني شديد وهي تقوده في رحلة صوب الردى المحتوم، وحتى بالنسبة لي كانت الكلمات التي
رطن بها مجرد نظم من عالم الدروشة.
ظل الجميع غير فاهم لهذا الانقلاب،
من رجل صلب متجلد إلى كثلة من العظام الهامدة، ووحدها نسرين عليمة بعلة اضمحلال بعلها
العُلَّج، وعكس ما كانت تضنه، فقد آثر تطليق الحياة على تطليقها، فأن تظل أو تذهب سيان،
فالحياة لا حياة من دونها، حالت أنفته دون أن يتذمر منها، دون أن يلومها، ليس لأنه
لا يملك من يلوم أو لأنه لا يعرف كيف يوجه اللوم، بل لأن اللوم لن يجدي نفعا، والنحيب
لن يرمم ما ضاع، وحركة الكون مستمرة به أو بدونه، والسماء لن تسقط لأن أحدهم يتألم.
حتى جسده تآمر عليه، أو بالأحرى
تحالف معه، بلفظ كل ما يبلغ جوفه، حزين هو لأجله. أما تلك القطعة الصغيرة، تلك التي
تركز فيها الألم، ود لو انتزعها من بين ضلوعه، ود لو استبدلها بواحدة من مطاط، لا تتعب
ولا تكل، أو بالأخص لا تحس ولا تشعر، كل ما فيه كان ينبأ بالنهاية، ورغبة ملحة في السفر
نحو الركن القصي والخالد، ولا أحد استطاع إقناعه بوقف هذا الإصرار.
لا لم يكن مجنونا، ولا حتى مريضا،
بل كان محبا لدرجة الموت، عرفت ذلك متأخرا، في ذلك اليوم ونحن نواريه الترى، نويت أن
أقصد نسرين، ففعلت ذلك بحجة المواساة وبنية الاستعلام، لم تكن في حاجة للنباهة لتفهم
غاية الزيارة، ومن تحت وسادته أخرجت المظروف، أمدتنيه، وفي داخله كانت الرسائل التي
تبادلناها خلسة ذات عشق.
