مقالات مختارة


رسالة إلى الكُتاب


يا أيها الملأ من الكتاب:
ما ذنبي أنا الذي انطلت عليه حيلكم، وصدقت أحلامكم، فتطــوعت لأروج لها بدلا عنكم، وحاولت أن أعيش حياتي كما قررتم؛ فما نلت سوى الازدراء وكثرة الجفاء. لقد تركتموني أعزلا بدون ســلاح متلقـفا الـردى، بصـدر عار تنهشه الأيــادي المتكالبة، لماذا لم تعلموني الكذب والنفاق والغش والتزلف والانبطاح والطمع، أليس زمننا زمن فسق فهاذي هي التي تحقق القوة والمجد والشرف؟ لماذا لم تعلموني، إذن، أسرار التجارات الرابحة، الرائجة في هذه الأيام؟ لماذا لم تعلموني كيف أكون شيطانا مدثرا بنور الملائكة ؟ لماذا لم تمنحون القدرة على المتاجرة بالدين والقيم؟ ثم عن أي تسامح تتحدثون، ووراء أي مبادئ تلهثون؟ ما كان علي إذن أن أتتلمذ في معابدكم، أو أحج إلى حلقات ذكركم 
.
يا أيها الملأ من الكتاب:
أنا طفلكم، الذي أنجبتموه، فانظروا إلى هذا الذي خلقتموه بأيديكم، واحدا من تلك النفوس الرومانسية، الطيبة السادجة، العزلاء في مرمى القناص، فأرداني قتيلا، فلماذا أنجبتموني دون أن تؤمنوا لي الدفاع و الحماية؟ أ ليعبث بي الجبناء، وتفكه من حسن طويتي الدهماء 
.
يا أيها الملأ من الكتاب:
إني أعلنها صريحة أمامكم وبكل جسارة، أنا كافر، نعم لقد كفرت بمقولاتكم ودعواتكم، وبعلمكم الذي أشقاني وأثقلني، ولا قبل لي لحمل رسائلكم غيـر الاعتيـادية، ونبـوءاتكم التبشـيرية، فأنا لسـت من طـالبي البـطولة والجـاه أو النـفوذ والشهـرة، بـل السعـادة هي كل ما أنشده، لكن الوساوس التي ألقيتموها في روعي حرمتني من النعيم، أفلم يقل أبو الطيب المتنبي، ذات شعر" ذو العلم يشقى في النعيم بعلمه / و أخو الجهالة في الشقاوة ينعم"، أعيدوني للجهالة إذن، لأرفل في النعيم، أوليس بينكم حويل؟
لكن هيهات هيهات، يا ويلي ويا حسرتي، لقد بعتموني بضاعة غير قابلة للإرجاع أو الاسترداد، فلم أملك إلا إدمانها، فاختلطت بدمي و عروقي، و شغف بها قلبي و تعلق بها فؤادي، فصرت كما قال الشاعر، " أحفر في الصخر دربي / وأكتب شعري في الماء".
تعليقات
ليست هناك تعليقات

    لا يسمح بالتعليقات الجديدة.




    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -