الرجاء المغربي في نهائي كأس العالم: الدروس المستفادة
1988 كانت السنة التي أحتضن فيها المغرب بطولة كأس أمم إفريقيا ومذ ذلك الحين لم
يشرف المغرب على أي تظاهرة رياضية بذلك الحجم، وبعد الانقطاع عن تنظيم التظاهرات الكبيرة
لمدة زمنية طويلة، فإنه من البديهي أن تحدث أخطاء في تنظيم كأس العالم للأندية الجارية
الآن ونحن على مشارف مباراتها النهائية بمدينة مراكش. لذلك قد نتفهم ونتقبل بعض الهفوات
التنظيمية المرتبطة بقلة التجربة، فبعض المتطلبات لا يمكنها استشرافها أو التنبؤ بها
إلا لمن خبر خبايا التظاهرات الكبرى وحاجياتها، ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا بالمراس
والمران وتعدد فرص الاحتكاك. لكنه يلاحظ أنه يتم ارتكاب بعض الأخطاء التي لا يمكن استساغتها،
كتلك الهفوات التي سجلها أحد الاصدقاء الصحفيين على صفحته بالفيس بوك ببعض الألم والحرقة
خصوصا وأنها أخطاء مجانية كان بالإمكان تفاديها، وهو يقول في إحداها " ... عند
البوابات الأربع كانت هناك حالات اكتظاظ ساهم فيها المنظمون (.....) وبعض البوابات
عرفت استعمال العنف من طرف رجال الأمن. أما آن لهم أن يعملوا على خلق التدابير الضرورية
لفرجة ممتعة أولا وثانيا دعم حالة الفرح العام بدل إفسادها....". كانت هذه الملاحظة
من أكثر ما أثار انتباهي من بين أخريات لأنها حبلى بصور الممارسات المرضية التي تسم
سلوك المسؤولين إزاء المواطن المغربي، والتي تتصف باحتقاره وازدرائه والتقليل من قيمته
ومعاملته كما تعامل الحيوانات، فأن تدفع الجمهور للاكتظاظ ثم تعاقبه صورة ملآ بالممارسات
السادية البئيسة، مع العلم أن هذا الجمهور يصنع أجمل اللوحات الفرجوية على المدرجات
وأهم العوامل التي ساهمت في إنجاح الدورة وكان توافده على الملاعب أمرا حاسما ساعد
بشكل مؤثر في بقاء الرجاء في المنافسة، ويقدم في كل مباراة مشاهد حضارية بديعة عن الجمهور المغربي الرائع
.
هؤلاء المسؤولين ستجدهم ينسبون
لأنفسهم شرف نجاح الدورة الذي ما كان ليتحقق بهذا الشكل لولا وصول النسور الخضر لمباراة
النهاية، محققين بذلك إنجازا يحمل الكثير من الرسائل لمن يهمه الأم؛ أهمها أن مواطن
هذه الأرض موهوب ومعطاء يحتاج فقط لمن يتعهده بالرعاية، وبالتالي فضعفنا الرياضي يقع
على كاهل الفاعل السياسي، الذي تسبب سوء تدبيره للقطاع في حصد الهزائم ومراكمة النكسات
وتبذير المال العام. وإذا علمنا أن الرجاء استهللت البطولة بمشاكل كثيرة وبأوضاع صعبة،
فلا أحد يحق له بعد اليوم أن يتحجج بضعف الإمكانيات ليبرر الإخفاق والفشل، فسر النجاح
يتجسد بقوة الإرادة وتوفر أجواء الحرية المؤسسة للإبداع، وهي الملاحظة التي أشار إليها
الشاعر والإعلامي ياسين عدنان مقدم برنامج مشارف على القناة الأولى عندما قال
"... شكرا فوزي البنزرتي لأنك حررت الرجاء من سطوة الجنرال (....) فالقيمة الحقيقية
للبنزرتي أنه حرر لاعبي الرجاء من ضغط فاخر الذي يريد أن يدير فريقا بعقلية قائمة على
الحذر والتوجس والطاعة والإذعان.. لكن لا خلق بدون حرية المبادرة..."، والحرية
لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل الديمقراطية النقطة التي أكد عليها عبد الله العروي عندما
قال في كتاب ديوان السياسة: "... الديمقراطية تحرر السياسة، تنقدها من كل ما ليس
منها. فتصبح الرياضة رياضة والفن فن، وكذلك العمل والفلسفة... أما إذا طغت السياسة
على الكل، جرت الكل معها للحضيض. فالعلاقة بين الديمقراطية والإبداع أعمق مما يتصور..."
لذلك أقول أن حالة الوهن والتخلف
التي نعيشها الآن ليست سوى نتيجة لضعف الممارسة الديمقراطية عندنا.
