مقالات مختارة

الدعم المالي للفنون، هل هو وسيلة لتحقيق الجودة أم آلية لتكريس الريع؟




الدعم المالي للفنون، هل هو وسيلة لتحقيق الجودة أم آلية لتكريس الريع؟



المغرب من دول العالم السائرة في طريق النمو والمحتاجة لتعبئة مواردها البـــشرية والمالية، بذلك الشكل الذي يساعدها على اللحاق بالركب وردم الهوة التي تفصلها عن العالم المتقدم، كما أنه من غير الخفي أن البلاد تعاني من الهشاشة في عديد من القطاعات الاجتماعية الحيوية والضرورية لأي تنميـــة بشــرية شــمــولية ومستــدامة : كالتعــليم والصــحة والسكــن والتشغيل، والتي تحد وتعرقل الملكات الإبداعية للمواطن المغـــربي وتحول دون انبثاقها، كما أن دول العالم تعيش تحت وطأة أزمة مالية خانقة أرخت بظلالها على البلاد ومست المواطن المغربي في قوته اليومي، ولعل ارتفاع  أسعار المواد الغذائية وإلغاء ميزانية الاستثمار، والاعتماد على الاقتراض الداخلي والخارجي والرفع من مديونية الدولة، من أهم تجلياتها.


وفي إطار هذا المناخ العام المشحون بمظاهر الأزمــة تقتــضي الضــرورة التوقف وإعادة النظر في البديهيات وإعادة تحديد الأولويات التي ينبغي أن تستحوذ على القسط الاهم من الجهد الفكري والمالي، ولعل الفن والمشتغلين في إطاره والمؤسسات المشرفة عليه أحد تلك القطاعات التي ينبغي أن يطالها السؤال والتي يجب أن تبرر الغاية من وجودها ودرجة أهميتها وأولويتها ومدى ضرورة الانفاق عليها من المال العام. وإذا اتضــح أن الفــن يتــوفر على ما يكفي من المبررات التي تصوغ استفادته على ما يتــوفر عليــه مــن الاهتمـــام، يصبـــح من المشروع تقيم عمل العاملين بهذا القطاع ومساءلة السياسات التي تتبعها الدولة حتى ينهض بالانتظارات المطلوبة منه ويحقق أهدافه.

ولعل فلسفة الدعم المــالي الــتي تنهــجها الدولــة كوســيلة لتطــوير الفنــون (كالســنيما والمســرح والموسيقى والأعمال التلفازية) من القضــايا الاشكاليــة الــتي تتطــلب التقيــيم وإعــادة النـــظر وذلك بعدما أبانت التجربة محدوديتها ومســاهمتــها في ظهــور بعــض الســلوكيــات اللا أخلاقية والتي تؤدي إلى هدر المال العام بعيدا عن المصلحة عن تحقيق الجودة.


فغني عن البيان أننا لو تأملنا حال الدول التي تتوفر على صناعات سينمائية متطورة وعملاقة كأمريكة مثلا فإننا سنكتشف أن قطاعها الخاص هو من ساهم بشكل كبير في تمكينها من إنشاء صناعة سينمائية متــطورة، تشـــغل عــدد كبــير مــن اليــد العامــلة وتحصــل عــلى أرباح مهمــــة وفي بعض الأحيان بأرقام فلكية، أما الدولة فدورها اقتصر على توفير ترسانة تشريعية شجعت الاستثــمار في الفــن فقــط.


وكــذلك الأمــر بالنســبة لمصــر دولــة العــالم الثالــث الرائــدة عربيـــا في الصناعات الفنية تمكنت من تطوير هذه الصناعة بفضل مستثمرين وطنيين خــواص. وبالتالي يتضح أن ازدهار الصناعات الفنيــة لا يحتــاج إلى صيــغة الدعــم المــالي المبــاشر المعمــول بها في المغرب والتي لم ولن تساعد على تطوير هذا النوع من الصناعات، اللهم تكوين طبقة من الانتهازيين الساعية للاستفادة من الدعم المــالي المنفــق مــن طــرف الدولة بشــكل ريعي.

 آية ذلك أن هذا الدعم يجلب عددا من المنتـــجين أو المخرجــين همــهم الأساســـي هـــو البحث عن السبل الكفيلة بالحصول على المال والعمل على توفير جزء مهم من الميزانية المخصصة للدعم، وهي النقطة التي أسالت لعاب العديد من المتطفلين على الفن، حيث أصبحت الصناعات الفنية مهـــنة من لا مهـــنة له فالكـــل أصــبح مخـــرجا ومنتجا بين عشـــية وضحاها، وتـــظهر هذه الإشكالية بجلاء في الدعم السينمائي المقدم للأفلام، حيث أن المنتجين يعتبرون الدعم المقدم لهم بمثابة الميزانية العامة للفيلم وتغطي كل تكاليفه، وتنحصر وظيفة المنتج في تدبير هذه الميزانية، ضدا عن القانون الذي يؤكد على أن الدعم المقدم للأفلام لا يجب أن يتعدى ثلثي الميزانية الإجمالية للعمل، والغريب في الأمر أن لا أحد يؤاخذ المنتج عن الثلث الذي يجب عليه توفيره، كما أن هذه السياسة هي نفسها المعمول بها في التلفزة حيث يتم اسناد  انتاج الأعمال الفنية لمنتجين منفذين همهم الوحيد هو توفير أكبر قدر ممكن من ميزانية هذه الأعمال.
تعليقات
ليست هناك تعليقات

    لا يسمح بالتعليقات الجديدة.




    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -