ذكريات من أيام الثانوية 3
في قراراتي الداخلية كنت أشعر بنوع من الزهو، وبسرعة بدأ ذهني يفكر
في الخطوة الموالية، وكبرت سيناريوهات التصعيد في مخيالي، يكفي فقط أن أحشد لها دعم
باقي التلاميذ، فكرت في بضعة متحمسين، ربما بإمكاني إقناعهم، لابأس إن خذلوني أول الأمر،
لكنهم إذا لحظوا إصراري وعدم انكساري فلا مناص أنهم سيقتنعون بجدوى ما قمت به وأهميته.
يدور في خلدي هذا الكلام وأنا استحضر العديد من الوقفات الاحتجاجية
التي شاركت فيها رفقة مناضلي جمعيتي، احتجاجات عن سوء الخدمات الطبية، أو سوء اشتغال
مرفق إداري، مسيرات دعما لفلسطين، ومناهضة للعدوان على العراق، بدا الاحتجاج على قاعة
غير صالحة أمر تافها وميسورا، وفرص التوفيق في الحصول على مناصرين سهلة للغاية.
توقعت أن أجد باقي التلاميذ متلهفين لمعرفة ما خلص إليه شبه اجتماعي
مع الناظر، لكن من إن دلفت إلى الحجرة حتى اهتزت بصوت راعد يصم الآذان كالصرير، هو
ضحك مصطنع أقرب إلى الصراخ، بدا الوضع مريبا، وكأن دخولي أطلق الفكه على عواهنه وحرر
المارد من عقاله، وكلما توغلت في قلب الحجرة أكثر كلما وجد زملائي التلاميذ فجوة للتحلق
حولي، ذكورا وإناثا، طبعا وهم يفكهون ويمدون يدهم حولي ويشيرون إلي بالأصابع، كانوا
مزهوين وفخورين بما فعلوا، نصبوا لي شركا واحتفلوا به بهذه الطريقة، انحصر كل غرضهم
في توريطي مع الناظر والتسبب لي في المشاكل مع الإدارة .
كان من القسوة بمكان أن أبتلع هذا المقلب القاسي، من الصعب أن يستحضر
المرء في ذهنه أنه هناك من سيضر بمصالحه من أجل الإيقاع بك، لكن عن أي مصالح أتحدث
؟ صدقت صدقهم بطريقة ساذجة وغبية، الدراسة وظروفها كانت آخر ما يمكن أن يحوز اهتمامهم،
فهمهم الرئيسي هو صناعة المقالب وتوريط الآخرين في المشاكل، تساءلت مع نفسي لماذا هؤلاء
الذين تهب لنصرتهم يكونون دائما أول من يخذلك؟ لكن لماذا؟ لماذا أنا؟ ما الذي فعلته
لهم لينتقموا مني بهذه الطريقة ؟
ظل هذا السؤال يقض مضجعي لأسابيع طويلة، انحصر تفكيري فيما وقع
في درس الفيزياء قبل ذلك بأيام.
يتبع.......