مقالات مختارة




 نمنمات ذات حزن 2

1
لا أعرف كيف تتمكن من التسلل إلى غرفتي رغم أني احكم إغلاق كل فجواتها، ودخولها الغرفة يتسبب بفوضى كبيرة حيث انها تصطدم بأي شئ تصادفه أمامها، وغالبا ما استغرب لكل تلك القوة التي تمتلكها رغم ضآلة حجمها الذي يعد كثلة مهملة. كما ان زمجرتها تحدث صوتا مزعجا كصوت طائرة نفاثة يشوش على سكينة الليل، و اكثر ما يدهشني بالفعل هو أنها تختار يوميا نفس التوقيت من أجل زيارتي .

الان فقط أفهم كل ذلك الكره الذي يكنه لها أحد الزملاء، شخصيا أصبحث أشعر بنفس الاحساس اتجاهها غير أني أكرهها لسبب مختلف، و ربما لو كانت تزروني غير الآن ما كنت لأشعر بمقتها، نعم رغم أنها حشرة ضئيلة فإنها تتسبب في إقاضي، أنا الذي أعاني أصلا من مشاكل مع النوم، لقد اصبح النوم عقدتي، اصبح في لحظة الاستسلام له ضعيف المقاومة وبدون حصانة أمام الذكريات المتسللة إلى نفسيتي مذكرة إياي بحجم خسارتي، وكل المجهودات التي أبدلها من أجل النسيان تضيع سدى بسبب تآمر حواسي وتآمر حشرة، لذلك أنا أكره أن انام وأكره مشاهدة السرير، هل بإمكاني أن أتخلص من النوم يا ترى ؟ أم أن الذكريات ستظل مصرة على وجعي في كل لحظة و حين ؟

2

غالبا ما أٌقبل على قراءة رواية جديدة بلهفة مشتعلة، وأسمح لأحداتها أن تتلاعب بخيالاتي يمنة و يسارا، طبعا لا كما حبكها المؤلف و إنما و فق مشيئتي و هواي، لدرجة تجعلني أتماهى مع شخوصها حتى أراني مجسدا في كل أبطالها، ويأخدني عالمها الآســــر حيث لا وزن للقيم المعهودة في الواقع، فتجدني أشفق على السارق وأتعاطف مع الجناة وأقدر العاهرات وأحترم الباغيات، و أرى في المكر بطولة و في المكر دهاء.. إلا أنه في كل مرة اقترب فيها من إنهاء قراءتها كلما استبد بي الخوف والألم.. إن ألم الفراق الذي يعتصر قلبي تبعث فيه الحياة مع نهاية كل روابة .

3

عبارات وألفاظ وأشياء مادية كانت تشنف أسماعنا أو تؤثت حياثنا.. يحدث حينا أن نستعيدها في سياقات جديدة .. بعد أن فقدنا منبعها الأصيل .. لكننا لا نستعيدها بريئة معزولة .. بل نستعيد بالأساس شحناتها العاطفية.. التي تجعل القلب ينقبض بعنف والجوارح ترتعش.. وتنتزع من دواخلنا تأوهات عميقة..وعبثا سنحاول تطبيع علاقتنا بها.. فهي قابعة هناك بعيدا..مسبية في خزائن اللاشعور..وسيظل لها علينا نفس الوقع الذي أوقعته في نفوسنا أول وهلة.. ونحن لا نحزن (كثيرا) لأننا فقدنا منبعها الأصيل.. بل نحزن( أكثر ) لأننا فقدنا ذلك الإنسان العفوي وذلك الطفل الصادق والحالم اللذان كناهما.

4
...."ويحكم الأثنيون الجهال على سقراط بالإعدام"..عبارة وردت عرضا وبشكل خاطف في كتاب هو أصلا ليس للفكر والفلسفة.. شدتني إليها وجعلتني أتوقف أمامها.. أطرقت هنينهة وحتى مع نفسي لم أنبس ببنت شفة.. شردت أتأمل أمرها وأتأمل حال اللغة بأكملها..لأني اكتشفت أن ما احتفظت به ذاكرتي ليس العبارة ذاتها بل سياقاتها الماورائية وتعجبت لقدرة الذاكرة اكتناز كل هذا الكم من التفاصيل الدقيقة المشحونة بالأحاسيس محمولة على صهوة عبارة لم أكن أفكر قط في تذكرها ولاأرغب.. بل حدث أن تذكرت وشائجها الوجدانية في بطانة لغوية واسترجعت بسببها أصواتا وأحدثا ولحظات مكتنزة بالسويعات الهنية.. لكني رغم ذلك ضجرت ونقمت على انتقائية الذاكرة التي تأبى أن تسترجع الذكريات بموضوعية بل تفرض علينا أحداثا تعبث بخواطرنا، وحتى إن كانت تذكرنا في أحاين كثيرة بأمور جميلة فإنها لا تفعل شيئا آخر أكثر من بعث الألم والمواجع في نفوسنا لأنها والحالة هذه تشعرنا بمرارة الفقدان و تذكيها .. صراحة سئمت ومللت البطانة الوجدانية التي تخفيها الأشياء من حولي.. وأتوق لحياة تصبح فيها هذه الأشياء متحررة محايدة وبريئة و بالأخص بدون ذاكرة.
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق



    وضع القراءة :
    حجم الخط
    +
    16
    -
    تباعد السطور
    +
    2
    -