اعترافات بمكنونات الفؤاد و النجوى لأجل ملهمتي
في اللحظات التي أسلم فيها الفكر والذات لغايات
الوجدان مكرها وانفلاتا من شقاء حياة أجعلها صارمة، تصبحين أنت كشفا صوفيا، أتلذذ بإشراقه،
أتخلص من وزر التعقل بحثا عن اللامعقول، أثور على الأعراف وأراك ملجأ منفى نفسي وفنائي،
أرفض الخضوع للواقع رغبة في إخضاعه، قد يكون الفشل صنوي و حليفي، لكنه لي في شرف المحاولة
عزائي. أنا من منظور الدِّين مؤمن لأنه في عنقي بيعة لك, أناشد الموت أن تأخدني فعشقي
لك طقوس أكملت بها لله عهدتي، لو كان لي مستطاع لجعلت كل الأيام عيدا لك، لأنك أنت
المرأة الأخيرة بل أنت نهاية النساء، حتى لو جعلت من نفسك سرابا في منأى عن الإدراك
فإنك لن تفلحي في إبعادي، لن أحترف الحزن ولن أبكي نفسي ولن أجن، لكني سأحيى على الانتظار،
لأني أعرف أن امرأة مثلك لا تتكرر إلا بعد مئة عام، وكل مأساتي أني بلغت بهذا العرفان
ذروة إيماني، فليس لي إلا أن أنتظرك أنت أو أنتظر المائة عام .
يسائلونني من أنت؟ و يا عجبا "هل بامرأة
على مثل حالك نكران"! فأجيبهم أنك أنت الطيب المتضوع من فلوات الجنائن، ريا يحمل
عبق الشوق و لوعة الصبابة، أنت من يكفي أن تنساب الكلمات من ثغرها لتشدو شدو البلابل،
أنت نور كلما نَظَرْتُه يؤذي مقلتاي من شدة حسن يفوق ما تملكه ملكة الحسناوات، أنت
الحسن والحسن أنت وإن فارقك حلَّ في غير محله، أنت من يذيب جلمود العنفوان والكبرياء
برقته وأنت الرقة الحارقة للهيب المتجبرات، أنت من صالحت بين نقاوة الخلق وجمال الخلقة،
أنت من بدونها تقفر الدنيا و نحل الحياة رذاذا وتأبى الأزمنة السريان أو الذهاب، وأنت
من إذا بدت لناظري تغدو الأيام من حولي لمحة لا أشعر بانقضائها، وتشيخ الأزمنة ولا
أعي مرورها .
يسائلونني هل تستحقين كل هذا الإثراء؟ فأجيب
أن اللغات ما عادت كافية لتتحمل حقيقة أوصافك الكثيفة الغراء، فأنت اللغة الأبلغ من
سجية شاعر مجنون مبدع معطاء، وليس برغبته المرء يعدد مواهب بل تفرض على الأعداء والخصوم
قبل الخلان والأصدقاء، وهل يستطيع أحد منهم أن يجادل في زينتك البادية مثل الشمس ؟
أو يطعن في شيمة خلق أصفى من صفاء البدر والقمر؟
أما أنا فقد هجرتني الكلمات والمفاهيم وانقلبت
عندي الموازين وفقدت كل اتجاهاتي بعدما أصبحت أنت بوصلتي، ويكفي أن يعكس طرفك صورتي
لأكون من بين من يرسم وجهه على أوراق العملات وتبسط له السجائد وترفع لأجله الصور والرايات،
أناشدك أن تهمسي في حقي بعبارة عشق تجعلني قديسا، ليتهافت لقاء مباركتي الأطفال والرجال
والنساء والمجانين والعقلاء والأسوياء والكسحاء، لامسيني لأحمل الشمس فوق راحتي ولأضع
القمر على جبيني و لأستحيل فينقا فأنبعث من رمادي، اصنعي من حضنك ملاذا يأويني ويكبح
جماح فورة الثائر في فؤادي، أستجديك أن تضلي كما أنت ألقا نادرا في عصر المبكيات، وطيفا
مشعا في زمن الظلمات، لا يستهويك لا بريق الماس أو هالة النجمات ولا كورطيج الأميرات،
ضلي عفة تهدينا لمعنى الشرف كفطرة طفلة عذراء مليئة البراءات، ينحني لمبايعتها شيخ
شريف من أهالي المعجزات والبركات.
آيا ملهمتي لقد جعلت حالي مثل من نظر الماء في
أعماق الصحراء، فأسرع مقبلا عليه متلهفا حافي وهل يملك الظمآن خيارا غير رغبته في تلطيف
ظمئه الملحاحِ؟ أو كمن نظرك دربا كيَمٍّ متلاطم الأمواج عقد العزم على ركوبه ولا يملك
إلا أن يبلغ ضفتك أو الغرق
